مقالات

الفقر… حين يُجبر الإنسان على ابتلاع كرامته

بقلم أ.د. عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية

في واقعة اعتداء رجل أعمال على فرد أمن بأحد “الكومباوندات”، لم يكن المشهد مجرد مشادة عابرة بين شخصين، بل كان مرآة موجعة لواقع اجتماعي أعمق. السؤال الذي تردد على ألسنة كثيرين: لماذا سكت فرد الأمن؟ لماذا لم يرد العنف بالعنف؟ لماذا تحمّل الإهانة؟
الإجابة الأقرب إلى القلب والعقل معًا: لأنها لقمة العيش.
حين يصبح الرزق مهددًا، يتحول الصمت إلى وسيلة دفاع، ويغدو احتمال الإهانة أهون من فقدان العمل. فرد الأمن لم يكن عاجزًا بالضرورة، ولم يكن خاليًا من الكرامة أو الإحساس بالظلم، لكنه كان محاصرًا بهاجس أكبر: ماذا لو خسر وظيفته؟ كيف يُطعم أبناءه؟ كيف يسدد إيجار البيت أو مصاريف المدرسة؟ في لحظة كهذه، لا يكون القرار قرار شجاعة أو ضعف، بل قرار بقاء.
الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل حالة تضغط على الروح وتُرهق النفس وتُقيّد الإرادة. إنه يدفع الإنسان أحيانًا إلى قبول ما لا يُقبل، وتحمل ما لا يُحتمل. ولعل المقولة الشهيرة المنسوبة إلى سيدنا عمر بن الخطاب: “لو كان الفقر رجلًا لقتلته”، تعبّر ببلاغة عن إدراك عميق لخطورة الفقر، لا بوصفه حالة اقتصادية فحسب، بل كقوة قاهرة قد تسلب الإنسان بعضًا من كرامته وحريته.
المشهد الذي أثار غضب رواد مواقع التواصل لم يكن مجرد واقعة فردية؛ بل لامس وجعًا عامًا. كثيرون رأوا في فرد الأمن صورة لآلاف — وربما ملايين — من البسطاء الذين يبتلعون مرارات يومية في صمت. الموظف الذي يُهان في عمله فيسكت، والعامل الذي تُنتقص حقوقه فيتحمل، ورب الأسرة الذي يقبل بشروط مجحفة خشية البطالة… جميعهم يعيشون تحت ضغط السؤال ذاته: ماذا بعد إن فقدت هذا الدخل؟
لكن هل يعني ذلك أن الصمت هو الحل؟ بالتأكيد لا. فالمجتمع الذي يبرر الإهانة بدافع الحاجة، يرسخ مع الوقت ثقافة اختلال التوازن بين من يملك ومن لا يملك. العدالة الحقيقية لا تتحقق بالغضب الموسمي على مواقع التواصل، بل بترسيخ قيم احترام الإنسان — أيًا كان موقعه — وبقوانين تحمي الضعيف قبل القوي، وتكفل للعامل كرامته قبل راتبه.
ما حدث يجب أن يكون جرس إنذار. ليس فقط للتنديد بسلوك فرد، بل لمراجعة واقع يسمح بأن تُوضع الكرامة في كفة والراتب في كفة أخرى. حين يُجبر إنسان على الاختيار بينهما، فالمشكلة ليست فيه وحده، بل في منظومة كاملة تحتاج إلى إصلاح.
الفقر مُذلّ نعم، لكنه ليس قدرًا أبديًا. مكافحته ليست مسؤولية فرد صامت، بل مسؤولية دولة ومجتمع ومؤسسات. والكرامة ليست رفاهية تُطلب بعد تحسن الأحوال، بل حق أصيل يجب أن يُصان في كل الأحوال.
تبقى الواقعة درسًا قاسيًا: ليس كل صمت ضعفًا، وليس كل استسلام جبنًا. أحيانًا يكون الصمت صرخة مكتومة، وأحيانًا يكون الاحتمال بطولة من نوع آخر… بطولة أن تبتلع الألم كي يبقى بيتك قائمًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى