مقالات
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن قضية أدب الإختلاف ضرورة وجودية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن قضية أدب الإختلاف ضرورة وجودية
بقلم /المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن قضية “أدب الاختلاف” ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة وجودية لاستقامة أمر الأمة الإسلامية.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى فقه “التعايش مع التنوع” لنبذ الفرقة والشتات.
إن المتأمل في ملكوت الله يدرك أن التنميط ليس من سنن الخلق، بل التنوع هو الأصل؛ فالعقول تتفاوت، والفهوم تتباين، وهذا التباين هو الذي يثري العطاء الإنساني.
● التأصيل القرآني لواقعية الاختلاف .
– لقد قرر القرآن الكريم أن الاختلاف واقع بمشيئة الله، ولو أراد الله لجعل الناس نسخة واحدة، ولكن حكمته اقتضت التعدد.
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118].
● التنوع كمدخل للتعارف لا للتقاطع
• جعل الله الاختلاف وسيلة للتكامل، فكل ميسر لما خُلق له. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
يجب أن نميز بوعي فقهي بين اختلاف التنوع (الذي يغني الفكر) واختلاف التضاد (الذي يمزق الصف).
● النهي عن الفرقة والتحذير من الشقاق
الاختلاف في وجهات النظر الفقهية أو الاجتهادية مقبول، أما التفرق القلبي والعداء فهو المحرم.
قال تعالى : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].
● خطر المراء والجدل العقيم
• ثبت في الحديث أن الجدل الذي يورث الضغينة هو سبب الضلال.
عن أبيأمامة الباهلي
“قال صلى الله عليه وسلم: ” ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ إلَّا أوتوا الجدَلَ ثمَّ تلا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ هذهِ الآيةَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ”
<حسن : أخرجه الترمذي (3253) واللفظ له، وابن ماجه (48)، وأحمد (22164)>
حين يختلف المسلم مع أخيه، يجب أن يسير على هدي النبوة في حفظ الحقوق وصون الكرامة.
● حمل كلام المسلم على أحسن المحامل
• الأصل في المسلم سلامة الصدر، وعدم التسرع في التخوين أو التبديع لمجرد رأي فرعي.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال صلى الله عليه وسلم “إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا”. <خرجه البخاري رقم5143 ، ومسلم رقم 2563].>
● الإنصاف حتى مع المخالف
• من أدب الإسلام أن تذكر محاسن من تختلف معه، وألا يدفعك الخلاف لظلمه.
قال تعالى {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة: 8].
إن الحفاظ على بيضة الإسلام وجماعة المسلمين مقدم على إظهار الغلبة في المناظرات والجدال.
● وحدة الجسد الواحد
• لا يمكن لفرقة أو طائفة أن تدعي الكمال وحدها، بل الجميع في مركب واحد.
عن النعمان بن بشير ،قال صلى الله عليه وسلم “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”. <خرجه البخاري رقم 6011، ومسلم رقم 2586).>
● التحذير من سلوك مسلك الأمم السابقة في الاختلاف
• الاختلاف الذي يؤدي إلى الهلاك هو الذي يقوم على البغي.
قال تعالى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].
كان الصحابة والتابعون يختلفون في عويص المسائل، لكن قلوبهم بقيت كقلب رجل واحد.
● اختلافهم في فهم الأمر النبوي (بنو قريظة)
• حين قال النبي ﷺ: “لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ”، فاختلف الصحابة في الفهم؛ فمنهم من صلى في الطريق (نظر لروح النص) ومنهم من أخرها (نظر لظاهر النص)، ولم يعنف النبي ﷺ أحداً منهما. <خرجه البخاري رقم 946، ومسلم رقم 1770]. وابن حبان (1462) بلفظه غير أنهما قالا: الظهر وليس العصر.>
• الدروس المستفادة:
• اتساع الصدر لتعدد الأفهام في النصوص الظنية.
• بقاء المودة رغم تباين الفتوى.
● الإيمان بأن الحق قد يتعدد في الفروع
• يقول الشافعي رحمه الله: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. وهذا هو قمة الأدب الفقهي الذي يحفظ الوحدة.
* القوة والهيبة: فالأمة المتآلفة مهابة الجانب، بينما الأمة المتناحرة لقمة سائغة.
* الإبداع الفكري: الاختلاف المنضبط يفتح آفاقاً جديدة للاجتهاد لمواجهة نوازل العصر.
* تحقيق العبودية لله: بالامتثال لأمر الجماعة ونبذ الفرقة.
قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].
يتضح لنا أن وحدة الصف ليست شعاراً يُرفع، بل هي سلوكٌ يُمارس وقيمٌ تُعاش. ويمكننا تلخيص أهم مرتكزات هذا الموضوع في النقاط التالية:
* الوعي بالسنن: الإدراك بأن التنوع في الفكر والطباع آية من آيات الله، وليس عيباً يجب استئصاله.
* التفريق الجوهري: التمييز الدقيق بين “تنوع الأفهام” الذي يثري الأمة، وبين “فرقة القلوب” التي تذهب بريحها وتُضعف هيبتها.
* سيادة الأدب: تقديم سلامة الصدر وحسن الظن بالمسلمين على الرغبة في الانتصار للنفس أو الرأي الشخصي.
* الغاية الأسمى: أن تظل “بيضة الإسلام” ووحدة المسلمين غاية تذوب عندها كل الخلافات الفرعية، اقتداءً بجيل الصحابة الذين اختلفوا في الفهم واتفقوا في الحب والهدف.
إن وحدة المسلمين لا تعني بالضرورة تطابق عقولهم، بل تعني تآلف قلوبهم. إن أدب الاختلاف هو العاصم لنا من السقوط في فخاخ الفتن.
فلنعلم أجيالنا أن “الحب في الله” يسعنا جميعاً مهما اختلفت بنا السبل في فهم فروع الشريعة، طالما أن القبلة واحدة، والكتاب واحد، والرب واحد.
اللهم يا مؤلف القلوب، ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وارزقنا بصيرةً ندرك بها سعة رحمتك في تنوع خلقك.
اللهم طهر قلوبنا من الغل والضغينة للمؤمنين، واعصم ألسنتنا من الوقوع في أعراض المخالفين، واجعلنا يداً واحدة على من عاداك وعادانا.
اللهم ارزقنا أدب الخلاف، وفقه الائتلاف، وجنبنا شتات الأمر ومضلات الفتن.
اللهم ارفع عنا كيد الكائدين وجدال الجاهلين، واجعل تباين عقولنا زيادةً في قوتنا لا سبباً في فرقتنا. يا رب، اجمع شمل هذه الأمة على ما تحب وترضى، واجعلنا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى،




