عندما نختزل الجامعة في الوظيفة… نخسر المعرفة

بقلم ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية والقائم بعمل رئيس حزب مصر المستقبل
أثار تصريح فخامة الرئيس السيسي بأن هناك تخصصات جامعية «ملهاش لازمة» جدلًا واسعًا في المجتمع المصري. وبينما رأى البعض في التصريح دعوة لإعادة توجيه التعليم نحو احتياجات سوق العمل، اعتبره آخرون تبسيطًا لقضية شديدة التعقيد تتعلق بدور الجامعة ووظيفة المعرفة في المجتمع.
في البداية يجب التأكيد على حقيقة أساسية: قيمة التخصصات العلمية لا تُقاس فقط بمدى الطلب عليها في سوق العمل. فالتعليم الجامعي ليس مجرد آلية لتوفير وظائف، بل هو أحد أهم الأدوات التي تصنع وعي المجتمع وثقافته وقدرته على التفكير النقدي والإبداعي.
إن الاقتصار على معيار «الوظيفة» لتقييم التخصصات يؤدي إلى فهم ضيق لدور الجامعة. فهناك عوامل أخرى غاية في الأهمية تحدد مدى حاجة المجتمع إلى تخصصات قد لا يبدو عليها طلب مباشر في سوق العمل، من أهمها بناء الهوية الثقافية، وتطوير الفكر النقدي، وحفظ التراث، وتعزيز القوة الناعمة للدولة، وإنتاج المعرفة نفسها.
فعلى سبيل المثال، التخصصات الإنسانية مثل التاريخ والفلسفة واللغة والأدب لا يمكن الحكم عليها بمعيار العرض والطلب في السوق فقط. هذه التخصصات تسهم في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع، وتساعد على فهم التحولات الاجتماعية والسياسية، كما تلعب دورًا أساسيًا في صناعة الثقافة والإعلام والتعليم. المجتمعات المتقدمة لم تتخلَّ عن هذه المجالات، بل حافظت عليها باعتبارها جزءًا من بنيتها الحضارية.
كذلك فإن البحث العلمي في كثير من المجالات يبدأ نظريًا قبل أن تظهر تطبيقاته العملية بسنوات أو حتى عقود. العديد من الاكتشافات الكبرى في العالم جاءت من بحوث لم يكن لها في البداية أي تطبيق اقتصادي مباشر. لذلك فإن إضعاف بعض التخصصات بحجة ضعف الطلب عليها في السوق قد يحرم المجتمع من فرص علمية وفكرية مهمة في المستقبل.
المشكلة الحقيقية إذن لا تكمن في وجود «تخصصات بلا قيمة»، بل في سوء التخطيط التعليمي وضعف الربط بين الجامعة والمجتمع. فمن الطبيعي أن تحتاج الدولة إلى مراجعة سياساتها التعليمية، وتطوير المناهج، وفتح مسارات جديدة في مجالات التكنولوجيا والعلوم الحديثة. لكن هذا التطوير يجب أن يتم دون التقليل من قيمة التخصصات الأخرى أو اختزال التعليم في وظيفة اقتصادية ضيقة.
الجامعة في جوهرها ليست مصنعًا للوظائف فقط، بل هي مؤسسة لإنتاج المعرفة وصناعة الإنسان القادر فيعلى التفكير والفهم والمشاركة في بناء المجتمع. لذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول «تخصصات ملهاش لازمة»، بل حول كيف نبني منظومة تعليم متوازنة تجمع بين احتياجات التنمية الاقتصادية ومتطلبات البناء الثقافي والفكري للمجتمع.
فالتقدم لا يصنعه تخصص واحد، بل تصنعه منظومة معرفية كاملة تتكامل فيها العلوم الطبيعية مع العلوم الإنسانية، والتكنولوجيا مع الثقافة، والاقتصاد مع الفكر.



