مقالات

التدخين: بين سندان المرض ومطرقة السلوك.. رؤية تجمع بين العلم والدين والمجتمع

بقلم / [محمدعمر] نائب رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري
​في مجتمعاتنا اليوم، تتشابك العلاقات الإنسانية وتتصادم أحياناً بسبب سلوكيات يومية يراها البعض حرية شخصية، بينما يراها الآخرون ضرراً عابراً للحدود. ولعل “التدخين” هو أبرز هذه السلوكيات التي تثير الجدل. ومع ذلك، فإن النضج الفكري والاجتماعي يفرض علينا معياراً ذهبياً: أن نكره التدخين كـ “سلوك”، لكننا لا نكره المدخن كـ “إنسان”. فالعديد من المدخنين هم أصدقاء أوفياء، وآباء حنونون، وأعضاء فاعلون في المجتمع، وقعوا في شباك هذه العادة بجهل أو غياب وعي في مرحلة ما من العمر، حتى تحول الأمر لديهم إلى مرض مزمن يستوجب العلاج والدعم، لا الغضب والإقصاء.
​البعد العلمي والطبي: من الوعود الزائفة إلى المرض المزمن
​تؤكد المنظمات الصحية العالمية أن التدخين ليس مجرد “عادة سيئة”، بل هو مرض إدماني بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
​كيف يحدث الإدمان؟ مادة “النيكوتين” الموجودة في التبغ تصل إلى الدماغ في غضون ثوانٍ، مما يحفز إفراز “الدوبامين” الذي يعطي شعوراً مؤقتاً بالراحة. مع الوقت، يعتمد الدماغ على هذه المادة، وتتحول المحاولة الأولى المدفوعة بالفضول أو الجهل إلى “عبودية بيولوجية”.
​الأضرار الجسدية: التدخين هو المسبب الأول لأمراض سرطان الرئة، والنوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وتصلب الشرايين.
​الشفاء والإرادة: علمياً، يوصف التدخين بأنه “مرض لا شفاء منه إلا بقوة الإرادة والعزيمة”. فالأدوية وبدائل النيكوتين ما هي إلا وسائل مساعدة، لكن المحرك الرئيسي للتعافي هو قرار داخلي صلب يكسر حلقة الإدمان.
​البعد الاجتماعي: التدخين السلبي وحق “المسافة الآمنة”
​اجتماعياً، لا يعيش المدخن في جزيرة منعزلة؛ فأنفاسه تطال من حوله فيما يُعرف بـ “التدخين السلبي”. وهنا تكمن النقطة الجوهرية في التعامل الاجتماعي الراقي:
​”ليس من الصعب على المحترمين من المدخنين أن يحترموا مشاعر وصحة غير المدخنين، بترك مسافة آمنة لا تصيبهم أضرار أدخنتهم.”
​إن احترام المساحة الشخصية وصحة الآخرين هو معيار التحضر. الأصدقاء المدخنون الذين نحبهم مطالبون بمراعاة هذه اللمسة الإنسانية، بحيث لا يتحول حبنا لهم إلى ضريبة ندفعها من صحة صدورنا وصحة أطفالنا. الغضب من المدخن لم يعد مجدياً، بل المجدي هو وضع “حدود محترمة” تحمي الجميع.
​البعد الديني: “وليس على المريض حرج”
​إذا نظرنا إلى التدخين من منظور ديني واعي، نجد أن الشريعة الإسلامية قامت على كليات خمس، من أهمها “حفظ النفس” و**”حفظ المال”**.
​النهي عن الضرر: يقول الرسول ﷺ: “لا ضرر ولا ضرار”. ومن هذا المنطلق، حرمت المجامع الفقهية المعاصرة التدخين لثبوت ضرره اليقيني على الصحة وهدره للمال فيما لا ينفع.
​فلسفة الابتلاء والرحمة: التدخين سياج يحيط بصاحبه، وبما أنه صار مرضاً متمكناً، فإن النظرة الشرعية للمدخن تتسع لتشمل قاعدة: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}. المدخن مريض يحتاج إلى الأخذ بيده برفق، والدعاء له بالمعافاة، وليس زجره أو تكفيره أو مقاطعته. فالهداية والشفاء يحتاجان إلى بيئة حاضنة ومقنعة، لا إلى بيئة طاردة وغاضبة.
​وفي نهاية المقال: دعاء بالشفاء وأمل بالوعي
​إن مواجهة ظاهرة التدخين لا تنجح بالخصومة، بل بالتضامن الإنساني. نحن بحاجة إلى مجتمع يدعم المدخن ليتعافى، ويحمى غير المدخن ليبقى صحيحاً.
​ختاماً، يبقى الأمل معقوداً على وعي الشباب حتى لا يسقطوا في هذا الفخ ابتداءً، وعلى عزيمة المدخنين الحاليين ليحرروا أنفسهم من هذا القيد. ونسأل الله العلي القدير، برحمته الواسعة، أن يشفي كل مريض بداء التدخين، وأن يمنّ عليهم بالصحة، والعزيمة، وقوة الإرادة ليعودوا إلى الحياة بنقاء حقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى