التعليم..المصفقون دائما .

بقلم ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية
في كل مرة يتغيّر فيها وزير التعليم، يظهر على الساحة نوعٌ خاص من البشر، محترفون في تبديل المواقف، بارعون في تفصيل الآراء على مقاس المرحلة، لا يشغلهم تطوير التعليم بقدر ما يشغلهم الاقتراب من الكرسي الجديد. هؤلاء هم “ترزية التعليم”؛ الذين لا يؤمنون بفكرة، ولا يدافعون عن مبدأ، بل يتقنون فنّ التلوّن مع كل مسؤول جديد.
ما إن يُعلن عن وزير جديد حتى تبدأ حفلات المديح. تتحوّل القرارات العادية إلى “ثورات تاريخية”، والخطط المكرّرة إلى “رؤى عبقرية”، ويخرج علينا من كانوا يهاجمون النظام السابق بالأمس ليشرحوا اليوم عظمة الأفكار نفسها بعد أن تغيّر اسم صاحبها فقط. المشكلة ليست في الاختلاف أو تغيير القناعات، بل في الانتهازية التي ترتدي ثوب الخبرة.
ترزية التعليم لا يعيشون داخل الفصول الدراسية، بل داخل المكاتب واللجان والبرامج التلفزيونية. يعرفون جيدًا كيف يكتبون التقارير التي تُرضي المسؤول، وكيف يصفّقون لكل قرار قبل أن يفهموه أصلًا. وإذا فشل القرار لاحقًا، اختفوا مؤقتًا حتى يأتي وزير جديد، فيعودون بثيابٍ جديدة وخطابٍ جديد، وكأن شيئًا لم يكن.
والأخطر من ذلك أن هؤلاء لا يكتفون بالتطبيل، بل يساهمون أحيانًا في صناعة قرارات بعيدة عن الواقع. لأن المسؤول حين يحيط نفسه بالمصفقين، يفقد القدرة على سماع صوت الميدان الحقيقي: صوت المعلم المرهق، والطالب التائه، وولي الأمر القلق. وهكذا يصبح التعليم حقل تجارب، بينما يدفع ملايين الطلاب ثمن المجاملات والتقارير المزيفة.
إن التعليم لا ينهض بالولاءات الشخصية، بل بالنقد الصادق والعمل الحقيقي. فالأنظمة التعليمية الناجحة تُبنى على الاستمرارية والرؤية العلمية، لا على تغيير الشعارات مع كل وزير. أما حين يتحول بعض المثقفين والخبراء إلى “ترزية” يفصّلون الأفكار حسب اتجاه الريح، فإن الخاسر الأكبر يكون الوطن كله.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من المصفقين، بل إلى أصحاب ضمير يقولون للمسؤول: “أخطأت” عندما يخطئ، و”أصبت” عندما يصيب. فالحقيقة ليست خيانة، والنقد ليس عداوة، لكن ترزية التعليم لا يعيشون إلا في بيئةٍ تخاف الصراحة وتكافئ النفاق.
وما دفعني إلى كتابة هذا المقال تحديدًا، هو ما نشهده في الفترة الحالية من تضخمٍ غير مسبوق في أعداد “ترزية التعليم”، الذين أصبحوا يصفقون لكل قرارٍ يصدر، مهما كان مرتبكًا أو غير مدروس أو بعيدًا عن الواقع التربوي. فبدل أن يقوم أصحاب الخبرة بدورهم الحقيقي في التنبيه إلى الأخطاء وتحذير المسؤول من عواقب القرارات المتعجلة، اختار كثيرون طريق المديح السهل والتبرير المستمر، وكأن نجاحهم الشخصي أصبح أهم من مصلحة التعليم نفسه. والأخطر أن التصفيق لم يعد للقرار فقط، بل لمتخذ القرار أيضًا، حتى تحوّل النقد عند البعض إلى جريمة، وأصبح الصمت عن الخطأ نوعًا من “الولاء” المطلوب.




