مقالات

تعليم في الـ Basket

بقلم ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية

لم يعد التعليم في كثير من مجتمعاتنا مشروعًا لصناعة الإنسان، بل تحول تدريجيًا إلى ما يشبه “الـ Basket” الكبير؛ سلة ضخمة يُلقى فيها الجميع بلا تمييز، ثم يُطلب منهم في النهاية أن يخرجوا متشابهين في التفكير، والطموح، وحتى في طريقة الفهم.
الطفل يدخل المدرسة وهو مليء بالأسئلة، يمتلك فضولًا طبيعيًا لاكتشاف العالم، لكن النظام التعليمي يبدأ مبكرًا في تهذيب هذا الفضول حتى يتحول إلى مجرد طالب يجيد الحفظ والطاعة. يصبح المطلوب منه أن يسمع أكثر مما يفكر، وأن يكرر أكثر مما يناقش، وأن ينجح في الامتحان لا أن يفهم الحياة.
ومع مرور السنوات، تتحول المدرسة من مكان لاكتشاف المواهب إلى “Basket” تُلقى فيه المناهج الثقيلة، والدروس الخصوصية، والضغوط النفسية، والتوقعات الاجتماعية. لا أحد يسأل الطالب: ماذا تحب؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المهارة التي تميزك؟ بل السؤال الوحيد الذي يطارده دائمًا: “جبت كام؟”.
المشكلة أن هذا الـ “Basket” لا يجمع فقط الكتب والمعلومات، بل يجمع أيضًا الإحباط والخوف والقلق. فالطالب يتعلم منذ الصغر أن قيمته مرتبطة بدرجاته، وأن مستقبله قد يتحدد بورقة امتحان مدتها ساعتان. وهكذا يفقد التعليم معناه الحقيقي، ويتحول إلى عملية فرز جماعي لا تراعي اختلاف العقول ولا تنوع القدرات.
في الدول التي احترمت التعليم، أصبح الهدف هو بناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع والعمل والتواصل، أما عندنا فكثيرًا ما يتحول الطالب إلى نسخة مكررة من آلاف غيره. الجميع يحفظ نفس الإجابات، ويكتب نفس الكلمات، ويخاف من الخطأ بنفس الطريقة.
ولهذا نصطدم بعد التخرج بحقيقة مؤلمة: سنوات طويلة من التعليم، لكن بمهارات قليلة. خريجون يحملون شهادات، لكنهم أحيانًا يفتقدون القدرة على الحوار، أو التفكير النقدي، أو حل المشكلات، أو حتى الثقة بالنفس. كأن النظام التعليمي كان يهتم بملء الـ “Basket”، لا ببناء الإنسان الذي يحمله.
الأخطر أن كثيرًا من الشباب لم يعودوا يرون التعليم طريقًا للمعرفة، بل مجرد مرحلة مرهقة يجب عبورها بأي شكل. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، لأن المجتمع الذي يفقد ثقته في التعليم يفقد تدريجيًا قدرته على التقدم.
نحن لا نحتاج فقط إلى تطوير مناهج أو تغيير طرق الامتحانات، بل نحتاج إلى إعادة تعريف معنى التعليم نفسه. نحتاج إلى تعليم يرى في الطالب عقلًا لا رقمًا، وإنسانًا لا مجرد مشروع شهادة. نحتاج إلى نظام يخرج أشخاصًا يعرفون كيف يفكرون، لا فقط كيف ينجحون.
فالتعليم الذي يتحول إلى “Basket” كبير تُلقى فيه العقول بلا اهتمام، لا يمكنه أن يصنع مستقبلًا حقيقيًا. أما التعليم الذي يحترم الإنسان، فهو وحده القادر على بناء مجتمع حي، قادر على الفهم والإبداع والتغيير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى