ديرمواس الحبيبة:-رحلة في قطار العمر بين ضفتين

بقلم« محمد عمر» عاشق ديرمواس الحبيبة
الفصل الأول:( شروق الشمس فوق “أرض الأصل”)
في جغرافيا الطفولة، لم تكن “ديرمواس” مجرد مدينة على خريطة الصعيد، بل كانت عالمين يربط بينهما جسر من الحنين. في الغرب، حيث يربض “منزل العائلة الكبيرة”، كان الزمان يتباطأ ليعلن ولادة السحر.
تبدأ الإثارة مع خيوط الفجر الأولى، حين تتنفس الأرض برائحة الندى. كان استيقاظ جدي بمثابة إشارة الانطلاق لملحمة يومية. رجالٌ ببشاشة الوجوه، قلوبهم أنقى من ماء المطر، يصلون الفجر ويسيرون كجيوش الخضر نحو الحقول.
”كنتُ أخطو خلف جدي كمن يدخل مغارة علي بابا، لكن المغارة هنا لم تكن مليئة بالذهب، بل بجناين المانجو الفواحة، عناقيد التين الممتلئة، وحبات الجوافة التي تخبئ في طعمها سر الأرض الوفية.”
هناك، بين الظلال والنور، كان المستأجرون والفلاحون يستقبلون “حفيد العائلة” بترحيب يفيض بالحب. لم يكن قطف الثمار مجرد نزهة، بل كان طقساً سحرياً؛ حيث تتسابق الأيدي لتقدم لي ما لذ وطاب، وأنا طفل يركض بين أولاد العم والخال، نملأ الدنيا صخباً ولعباً، كأننا امتلكنا العالم بأسره في تلك الإجازات السعيدة.
الفصل الثاني:( رمضان والأسرار الروحية)
وإذا ما أقبل شهر رمضان، تحولت ديرمواس إلى مسرح كوني من الأنوار والأصوات. ولم تكن الإثارة تكمن في الجوع أو الصيام، بل في ذلك “السهر المقدس” الممتد حتى السحور. كنا نركض في الأزقة والدروب، نلعب تحت ضوء القمر، يمتزج غناؤنا بضحكاتنا، في طاقة لا تنفد، حتى يرفع المؤذن نداء السحور، فنصلي الفجر وننام على وسائد غُزلت من الطمأنينة والسلام النفسي.
الفصل الثالث:(شرق المدينة.. صخب العلم وأجراس المحبة)
حين ينتهي الصيف، يعود القطار بي إلى “شرق البلد” – حيث المقر الراقٍ، والمدارس التي كانت بمثابة مغناطيس يجذب النوابغ والرفاق من كل قرى المركز.
لم تكن الدراسة مجرد كتب، بل كانت شبكة معقدة من الصداقات الأبدية. كنا نسيجاً واحداً لا تمزقه الطوائف؛ ومن أكثر المحطات تشويقاً في ذاكرتي تلك الرحلات التي كنا نقطعها مع أصدقائنا المسيحيين، متوجهين صوب “دير السيدة العذراء في القوصية” (الدير المحرق). كانت الرحلة إلى هناك تفوح برائحة البخور والمحبة، حيث تتلاشى الفروق ولا يتبقى سوى “الإنسان” في أبهى صوره.
كنا نلعب كرة القدم بنهم، ونغني بأصواتنا الغضة، ونتبادل الزيارات التي كانت فرضاً مقدساً لصلة الرحم وحسن الجوار. تأسست علاقاتنا على قاعدة صلبة من الاحترام والمحبة، قاعدة صمدت لدرجة أنها ما زالت حية حتى يومنا هذا!
المنعطف الدرامي: صدمة النصف قرن.. أين ذهب الجميع؟
وفجأة… يدق جرس قطار العمر معلناً وصولي إلى سن الخمسين!
هنا تكمن الإثارة الحقيقية، لكنها إثارة من نوع حزين ومباغت. تلتفت حولي في زحام الحياة العصرية والمسؤوليات والعمل، فلا تجد ذلك العيد القديم. تبدلت الأحوال تماماً، وجفت قنوات التواصل بفعل مشاغل الدنيا.
لكن اللغز الأكبر والسبب الحقيقي وراء هذا الجفاف ليس ضيق الوقت… بل هو “رحيل الأحبة”.
”لقد غادر العمالقة الذين كانوا يضيئون لنا الطريق. غاب الأجداد والآباء والأعمام والأخوال.. أولئك الذين كانوا يذللون الصعاب بابتسامة، ويوفرون لنا السكينة بكلمة. وحين حاولنا البحث عن البدائل في الفروع والأجيال الجديدة، وجدنا الحقيقة المرة: الفروع أبداً لا تشبه الأصل!”
الخاتمة:(الوميض الذي لا ينطفئ
أين ذهب ذلك العمر الجميل)؟!
السؤال يعود كصدى صوت يتردد بين جدران غرب البلد وشرقها.
لقد رحل الأشخاص، وتبدلت الأماكن، ولكن العزاء الوحيد هو أن ذلك الطفل الذي كان يركض في جناين المانجو ويغني في شوارع شرق ديرمواس، ما زال حياً في داخلي. قد تكون الأيام قد تغيرت، لكن تلك “الخلطة السحرية” من المحبة والسلام النفسي التي رُوينا بها في الصغر، هي المصل الذي يحمي قلوبنا اليوم من القسوة والجفاء.
ستبقى ديرمواس زماننا هي الفردوس المفقود، الذي نحمله في صدورنا أينما ذهبنا.




