الأَخْلَاقُ المُتْعَبَةُ .

بقلم
أ.د. عصام قمر
أستاذ أصول التّربية بالْمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية
زمان كان الناس يقولون: “البلد بخير طول ما الأخلاق بخير”. واليوم يشعر كثير من الناس في مصر أن الأخلاق تغيّرت، وأن الاحترام قلّ، والعصبية زادت، والرحمة بين الناس لم تعد كما كانت. والسؤال المهم هنا: لماذا يحدث هذا؟
الحقيقة أن الإنسان لا يتغير وحده، بل الظروف التي حوله هي التي تغيّره أحيانًا. فعندما يستيقظ الأب كل يوم وهو يفكر كيف سيدفع الإيجار وفاتورة الكهرباء ومصاريف المدارس، يصبح متوترًا طوال الوقت. وعندما ترى الأم أن الأسعار تزيد كل يوم بينما الدخل ثابت، يزداد الضغط داخل البيت. ومع كثرة الضغوط، تقلّ الراحة النفسية، ويكثر العصبية والخلاف.
الأرقام الرسمية نفسها تؤكد أن الناس تعيش ضغطًا كبيرًا. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفعت الأسعار بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، كما وصلت حالات الطلاق في مصر إلى مئات الآلاف سنويًا. وهذه ليست مجرد أرقام، بل معناها أن هناك بيوتًا كثيرة لم تعد تتحمل الضغوط اليومية.
المشكلة أيضًا أن التربية نفسها تغيّرت. زمان كان الطفل يجلس مع أهله ويتعلم منهم الكلام الطيب والاحترام والرحمة. أما اليوم، فأغلب الأطفال يقضون ساعات طويلة أمام الهاتف والإنترنت أكثر مما يقضونها مع أسرهم. فأصبح المؤثر الحقيقي في تربية كثير من الأبناء هو مواقع التواصل الاجتماعي، لا الأب ولا الأم ولا المدرسة.
والأصعب من ذلك أن بعض الناس أصبحوا يرون أن النجاح ليس في الاجتهاد والتعب، بل في “الفهلوة” أو الشهرة السريعة أو المكسب بأي طريقة. ومع تكرار هذه الصور يوميًا على الإنترنت والشاشات، بدأ بعض الشباب يقتنع أن الأدب والاحترام لم يعودا مهمين مثل المال والشهرة.
كذلك فقد الناس جزءًا من صبرهم. فالزحام، وغلاء المعيشة، والخوف من المستقبل، كلها أمور تجعل الإنسان سريع الغضب والتوتر. ولذلك نرى أحيانًا مشكلات كبيرة تبدأ من أسباب بسيطة جدًا؛ كلمة في الشارع، أو خلاف صغير، أو تعليق على الإنترنت.
لكن رغم كل ذلك، فما زال الخير موجودًا في المصريين. ففي وقت الأزمات نرى الناس تساعد بعضها، والجيران يقفون مع بعض، والكثير يمدون أيديهم للمحتاجين. وهذا دليل على أن الأخلاق لم تختفِ، لكنها أصبحت مُتعَبة ومحاصَرة بالضغوط.
ولذلك فإن حل المشكلة لا يكون بالكلام وحده، ولا بالخطب أو النصائح فقط، بل بأن يشعر الإنسان بالعدل والأمان والأمل. نحتاج إلى تعليم يُربّي قبل أن يُلقّن، وإعلام يقدّم القدوة الحسنة بدل التفاهة، وأسرة تستعيد دورها الحقيقي في التربية، ومجتمع يحترم الإنسان ويعطيه فرصة ليعيش بكرامة.
فالإنسان حين يشعر بالأمل، تعود إليه أخلاقه الجميلة تلقائيًا.




