مقالات

حين تُدار المؤسسات بغير أهل الخبرة

بقلم ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية

في السنوات الأخيرة، أصبح المشهد الإداري في كثير من المؤسسات والهيئات يثير القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة. فهناك من يتصدرون مواقع المسؤولية فجأة، وكأن المناصب العليا أصبحت تُمنح بالمفاجأة لا بالاستحقاق، وبالصدفة لا بالكفاءة. أسماء تظهر بين ليلة وضحاها، تتقلد مناصب حساسة ومؤثرة، دون تاريخ مهني حقيقي، أو إنجازات واضحة، أو حتى خبرة متدرجة تؤهلها لتحمل مسؤولية بحجم وطن يبحث عن النجاة والتقدم.
المشكلة ليست في صغر السن، ولا في ضخ دماء جديدة، فالأمم تتقدم بالشباب والكفاءات الطموحة. لكن الكارثة الحقيقية أن بعض من يُدفع بهم إلى الواجهة يفتقدون إلى أبسط مقومات القيادة والإدارة. لا خبرة، لا رؤية، لا قدرة على التواصل، لا لغة تليق بمنصب عام، ولا حتى حضور يحترم عقل المواطن. تسمع تصريحات مرتبكة، وتشاهد أداءً باهتًا، فتدرك أن الكرسي أكبر بكثير من الجالس عليه.
وحين تتفحص السيرة الذاتية لبعض هؤلاء، تصاب بالدهشة. أين الإنجازات التي أهلتهم؟ أين النجاحات التي دفعت بهم؟ بل إن بعض السير تحمل علامات استفهام ونقاطًا سوداء لا يمكن تجاهلها. ومع ذلك، يصعدون بسرعة الصاروخ، بينما يتم تهميش أصحاب الكفاءة الحقيقيون، أولئك الذين أفنوا أعمارهم في العمل والتخصص والخبرة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: كيف يحدث هذا؟
هل أصبحت الواسطة أقوى من الكفاءة؟
هل تحولت المحسوبية إلى بوابة العبور الوحيدة؟
هل تراجع دور الأجهزة الرقابية في التدقيق والفحص؟
أم أن بعض المناصب أصبحت تُدار بمنطق “التجربة”، وكأن الوطن حقل اختبارات مفتوح؟
إن أخطر ما تواجهه الدول ليس الفقر، ولا قلة الموارد، بل سوء الاختيار. لأن المسؤول غير المؤهل لا يكتفي بالفشل الشخصي، بل يصنع سلسلة من الكوارث الإدارية والاقتصادية والإنسانية. قرار خاطئ من شخص غير كفء قد يهدم مؤسسة كاملة، ويعطل مصالح ملايين المواطنين، ويقتل الثقة بين الشعب والدولة.
مصر اليوم لا تملك رفاهية إضاعة الوقت. نحن في مرحلة تحتاج إلى أصحاب خبرة حقيقية، وعقول واعية، وقيادات تمتلك العلم والقدرة والشخصية والنزاهة. لم يعد مقبولًا أن يُجرَّب في هذا الشعب كل من يملك علاقات أو دعمًا أو نفوذًا. الوطن ليس مجاملة، والمناصب ليست مكافآت اجتماعية، بل مسؤوليات ثقيلة يجب أن تُمنح لمن يستحقها فقط.
نحن لا نطلب معجزات، بل نطلب معيارًا عادلًا:
أن يتقدم الأكفأ، لا الأقرب.
أن يصعد صاحب الإنجاز، لا صاحب العلاقات.
أن يُحاسب المقصر مهما كان اسمه، وأن يُفتح الطريق أمام أصحاب العقول الحقيقية الذين يريدون خدمة البلد بصدق.
مصر تستحق الأفضل. تستحق رجالًا ونساءً يحملون همّ الوطن لا همّ المناصب. تستحق مسؤولين يتحدثون بعلم، ويعملون بإخلاص، ويحترمون عقول الناس، ويدركون أن بناء الدول لا يتم بالشعارات، بل بالكفاءة والانضباط والضمير.
إن هذا الوطن العظيم لم ينقصه يومًا أصحاب المواهب والكفاءات، لكنه يحتاج إلى عدالة في الاختيار، وإرادة حقيقية تضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وعندما يحدث ذلك، سنرى مصر التي نحلم بها جميعًا: قوية، متقدمة، محترمة، يقودها المخلصون من أبنائها، لا المتسلقون على أكتاف الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى