هل يدرك وزير التعليم الحالي معنى فلسفة التعليم؟… أشك

بقلم : ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية
حين أتأمل ما يحدث في التعليم المصري اليوم، أجد نفسي مضطرًا إلى طرح سؤال يبدو صادمًا، لكنه مشروع: هل يدرك وزير التعليم الحالي معنى فلسفة التعليم حقًا؟ أم أنه يتعامل مع التعليم باعتباره ملفًا إداريًا يمكن إصلاحه بقرارات متلاحقة وتعديلات مستمرة؟..أشك.
وليس مصدر هذا الشك موقفًا شخصيًا من الوزير، وإنما قراءة لما يطرحه من قرارات و تعديلات متلاحقة وما يرافقها من خطاب رسمي يركز غالبًا على الامتحانات والهياكل التنظيمية والأنظمة الجديدة، بينما يتراجع الحديث عن السؤال الجوهري: ما الهدف من التعليم أصلًا؟
فلسفة التعليم لا تبدأ من شكل شهادة الثانوية العامة، ولا من عدد المواد الدراسية و حذف بعضها او دمجها، ولا من آلية عقد الامتحان. فلسفة التعليم تبدأ من الإنسان. تبدأ من تحديد نوع المواطن الذي نريد أن نصنعه بعد اثني عشر عامًا من الدراسة. هل نريده حافظًا للمعلومات أم مفكرًا محللا ناقدًا؟ هل نريد طالبًا يجيد استرجاع الإجابات أم قادرًا على طرح الأسئلة؟ هل نريد خريجًا ينتظر الوظيفة أم يصنع الفرصة؟
للأسف، يبدو أن هذه الأسئلة الكبرى غائبة أو مؤجلة، بينما ينشغل كثيرون بمتابعة التغييرات المتكررة في أنظمة التقييم والامتحانات.
خذ مثلًا الجدل المستمر حول الثانوية العامة و البكالوريا. فمنذ سنوات طويلة، تتغير الصيغ والأسماء والآليات، لكن السؤال الأهم يظل بلا إجابة: هل تحسن مستوى التعلم فعلًا؟ هل أصبح الطالب أكثر قدرة على التفكير والتحليل؟ هل تراجعت الدروس الخصوصية؟ هل استعادت المدرسة دورها الحقيقي؟
الواقع يقول إن الدروس الخصوصية ما زالت تلتهم دخل الأسر، وإن المدرسة لم تستعد مكانتها بعد، وإن القلق الذي يعيشه الطلاب وأولياء الأمور يتجدد مع كل تعديل جديد.
وإذا كانت فلسفة التعليم الحديثة تقوم على الاستقرار والتدرج، فإن ما يربك المجتمع التعليمي ليس التغيير في حد ذاته، بل سرعة التغيير وتكراره. فالطالب يحتاج إلى نظام واضح ومستقر، والمعلم يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، والأسرة تحتاج إلى الثقة بأن أبناءها ليسوا جزءًا من تجربة قابلة للتعديل كل عام.
ومن الأمثلة التي تستحق التوقف أيضًا التركيز الكبير على الأدوات التقنية بوصفها مدخلًا للإصلاح. لا أحد يعارض التكنولوجيا، بل إن دمجها في التعليم ضرورة عصرية. لكن التكنولوجيا ليست فلسفة تعليمية. التابلت لا يصنع تعليمًا جيدًا بمفرده، والمنصة الإلكترونية لا تنتج عقلًا ناقدًا تلقائيًا. وإلا لكانت أكثر الدول امتلاكًا للأجهزة الإلكترونية هي بالضرورة الأفضل تعليمًا، وهو أمر لا تؤكده التجارب العالمية.
لقد نجحت دول مثل فنلندا و اليابان لأنها استثمرت أولًا في المعلم، وفي جودة المناهج، وفي ثقافة التعلم، قبل أن تستثمر في الأجهزة والمنصات.
وهنا نصل إلى القضية الأكثر إلحاحًا: المعلم.
فأي حديث عن إصلاح التعليم يتجاهل أوضاع المعلمين المادية والمهنية هو حديث ناقص. لا توجد منظومة تعليمية عظيمة في العالم قامت على معلمين محبطين أو مثقلين بالأعباء الاقتصادية. يمكن تغيير المناهج عشر مرات، وتعديل الامتحانات عشرين مرة، لكن المعلم سيظل حجر الأساس الذي يحدد نجاح أي إصلاح أو فشله.
والغريب أن الخطاب الرسمي كثيرًا ما يقدم التغيير في صورة قرارات تنظيمية كبرى، بينما يشعر كثير من المعلمين أن مشكلاتهم الأساسية لم تجد الحل الجذري الذي تستحقه.
أما إعادة هيكلة المواد الدراسية وتقليص بعضها أو دمجها، فهي خطوة قد تكون مفهومة في بعض السياقات إذا كانت جزءًا من رؤية معرفية متكاملة. لكن حين يشعر المجتمع بأن الهدف هو تخفيف العبء الإداري أو إعادة ترتيب الجداول أكثر من بناء شخصية متوازنة للطالب، فإن الشكوك تصبح طبيعية.
إن التعليم ليس مصنع درجات، وليس سباقًا نحو الجامعة فقط. التعليم مشروع لبناء العقل والوجدان والهوية الوطنية. ولذلك فإن اختزال النقاش التعليمي في الامتحانات والشهادات يعني فقدان البوصلة الحقيقية.
قد يقول المدافعون عن الوزير إن الإصلاح يحتاج إلى وقت، وهذا صحيح. وقد يقولون إن المنظومة كانت تعاني مشكلات متراكمة منذ عقود، وهذا صحيح أيضًا. لكن الصحيح كذلك أن أي مشروع إصلاحي كبير يجب أن يقنع الناس بفلسفته قبل أن يقنعهم بإجراءاته.
فالناس قد تتحمل الصعوبات إذا فهمت الهدف، لكنها تفقد الثقة عندما ترى القرارات تتوالى بينما تبقى المشكلات الجوهرية على حالها.
لهذا أعود إلى السؤال الأول: هل يدرك وزير التعليم الحالي معنى فلسفة التعليم؟
لو كان يدركها بالمعنى العميق، لكان الحديث اليوم أقل عن أنظمة الامتحانات وأكثر عن بناء الإنسان. أقل عن شكل التقييم وأكثر عن جودة التعلم. أقل عن إدارة الأزمة وأكثر عن صناعة المستقبل.
إن التعليم ليس ملفًا حكوميًا عاديًا، بل هو القضية التي تحدد شكل مصر بعد عشرين أو ثلاثين عامًا. ومن يقود التعليم لا يكفي أن يكون إداريًا ناجحًا أو صاحب أفكار تنظيمية، بل يجب أن يكون مؤمنًا بأن التعليم فعل حضاري قبل أن يكون إجراءً بيروقراطيًا.
وعندما تغيب هذه القناعة، يصبح من حقنا أن نسأل… ومن حقنا أيضًا أن نشك…هذا إذا لم يكن لدينا يقين.




