مقالات

الأحزاب السياسية ليست “عِزبة” ولا تُورَّث.

بقلم ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية

في النظم السياسية السليمة، تُبنى الأحزاب على الأفكار والبرامج والرؤى، لا على الروابط العائلية أو حسابات التوريث السياسي. فالحزب السياسي ليس شركة خاصة، ولا ملكية شخصية لرئيسه، ولا إرثًا عائليًا ينتقل من الأب إلى الابن، بل كيان عام تحكمه لوائح داخلية وقوانين تنظم تداول المسؤولية والقيادة.
لكن المؤسف أن بعض رؤساء الأحزاب في مصرنا الحبيبة بدأوا يتعاملون مع أحزابهم وكأنها “ممتلكات خاصة”، فيُقدِّمون أبناءهم إلى الصفوف الأولى، ويمنحونهم مناصب حساسة مثل “النائب الأول لرئيس الحزب”، تمهيدًا واضحًا لتسليم الراية لهم مستقبلًا، وكأن الأمر عملية توريث سياسية مكتملة الأركان.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يكتفي فقط بإقصاء الكفاءات الحزبية، بل يتجاوز أحيانًا اللوائح الداخلية، ويُفرغ الانتخابات الحزبية من مضمونها، ويُهمِّش دور الهيئة العليا والمكاتب التنفيذية، ويحوّل الحزب من مؤسسة سياسية ديمقراطية إلى دائرة مغلقة تدور حول شخص واحد وعائلته.
إن أي حزب لا يحترم قواعد التداول الداخلي للسلطة يفقد تدريجيًا مصداقيته أمام أعضائه وأمام المجتمع. فكيف لحزب يطالب بالديمقراطية في الدولة أن يمارس داخل جدرانه أسوأ أشكال الاحتكار والإقصاء؟ وكيف يمكن إقناع الشباب بالمشاركة السياسية إذا كانت المناصب القيادية تُحجز مسبقًا لأبناء الرئيس والمقرّبين منه؟
القوانين المنظمة للأحزاب وُضعت لضمان الشفافية، وحماية التعددية، ومنع احتكار القرار. واللوائح الداخلية ليست مجرد أوراق تُستخدم عند الحاجة، بل عقد تنظيمي وأخلاقي بين أعضاء الحزب وقيادته. وعندما يتم الالتفاف على هذه القواعد من أجل إعداد “الوريث السياسي”، فإن الحزب يفقد جوهره الحقيقي.
ليس عيبًا أن يكون ابن رئيس الحزب عضوًا سياسيًا أو صاحب كفاءة، لكن العيب أن تُفصَّل له المناصب، وأن تُعطَّل الآليات الديمقراطية من أجله، وأن يُقدَّم باعتباره الخليفة الطبيعي دون منافسة حقيقية أو انتخابات نزيهة.
الأحزاب التي تُبنى على الأشخاص تنهار برحيلهم، أما الأحزاب التي تُبنى على المؤسسات فتستمر وتكبر وتتجدد. ولذلك فإن مستقبل الحياة السياسية مرهون بإحياء الديمقراطية داخل الأحزاب نفسها، واحترام اللوائح، وإعطاء الفرصة للكفاءات، بعيدًا عن عقلية التوريث التي أضعفت الثقة في العمل الحزبي لسنوات طويلة.
في النهاية، يجب أن نتذكر جميعًا أن الأحزاب السياسية ليست ورثًا عائليًا، ولا تُدار بمنطق “الإبن أولى من غيره”، بل هي مؤسسات وطنية يفترض أن تكون نموذجًا لاحترام القانون وتداول القيادة، لا نسخة مصغرة من الاستبداد الذي تدّعي مقاومته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى