سياسة

​”حكومة الجباية.. عندما تدير حكومة مدبولي الأزمات من جيوب الفقراء”

بقلم محمد عمر نائب رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري                                    تواجه مصر في الآونة الأخيرة واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث، وهي أزمة لا تكمن خطورتها في مجرد تراجع المؤشرات الرقمية، بل في المنهجية التي تدار بها صدمات الأسواق. يرى قطاع واسع من المحللين والشارع المصري أن السياسات الحكومية المتعاقبة باتت تعتمد بشكل أساسي على “جيب المواطن” كخط دفاع أول وأخير، مع استغلال الأزمات الإقليمية والدولية لتبرير قرارات اقتصادية قاسية، مما أدى إلى تآكل الطبقة المتوسطة واتساع رقعة الفقر.
​فيما يلي قراءة تحليلية تفصيلية لأبعاد هذه الأزمة المتردية، يتبعها طرح لحلول اقتصادية هيكلية قابلة للتطبيق.
​أولاً: مظاهر الأزمة السياسية وتأثيرها على المواطن
​1. “توطين” الأزمات الخارجية لرفع الأسعار
​كلما لاحت في الأفق أزمة دولية أو إقليمية (مثل التوترات الجيوسياسية في المنطقة أو اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية)، تُسارع الإدارة الاقتصادية إلى اتخاذ إجراءات تقشفية فورية وتمرير زيادات متتالية في أسعار السلع الأساسية، الوقود، والكهرباء. بدلاً من أن تعمل الحكومة كحائط صد يمتص الصدمات عن المواطن عبر تفعيل آليات التحوط والدعم الذكي، تحولت الأزمات الخارجية إلى “شماعة جاهزة” لتمرير سياسات الجباية ورفع الدعم بشكل متسارع يفوق القدرة الشرائية للأجور.
​2. معضلة الدين العام (الداخلي والخارجي)
​شهدت السنوات الأخيرة قفزات غير مسبوقة في حجم الدين العام بنوعيه:
​الدين الخارجي: الذي تراكم نتيجة التوسع في الاقتراض لتمويل مشروعات قومية كبرى وبنية تحتية طويلة الأجل، دون أن تدر هذه المشروعات عوائد دولارية سريعة تسهم في سداد الخدمة المستحقة.
​الدين الداخلي: الذي أدى توسع الحكومة فيه إلى “تزاحم” (Crowding-out) مع القطاع الخاص في الحصول على التمويل من البنوك المحلية، فضلاً عن تسبب فوائد هذا الدين في ابتلاع الجزء الأكبر من الموازنة العامة للدولة على حساب قطاعات حيوية كالصحة والتعليم.
​3. الاعتماد على جيب المواطن واضمحلال الطبقة الوسطى
​تجلت هذه السياسة في التوسع الرهيب في فرض الرسوم، الضرائب غير المباشرة (مثل القيمة المضافة)، ورفع الخدمات الحكومية دون تحسن ملموس في جودتها. النتيجة المباشرة كانت إعادة توزيع عكسية للثروة، حيث تحولت الطبقة الوسطى — صمام أمان المجتمع — إلى طبقة تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية، بينما تزايدت معدلات الفقر بشكل غير مسبوق لتشمل فئات لم تكن يوماً تحت خط الحاجة.
​ثانياً: روشتة إنقاذ.. حلول اقتصادية للخروج من النفق المظلم
​الخروج من هذه الدائرة المفرغة يتطلب الانتقال من “اقتصاد الجباية والمسكنات المؤقتة” إلى “اقتصاد الإنتاج والشفافية”. هذه أبرز الحلول الهيكلية المطلوبة:
​1. إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام (التقشف الحكومي الحقيقي)
​وقف المشروعات غير العاجلة: تجميد أو إرجاء المشروعات القومية الكبرى التي تتطلب مكوناً دولارياً ضخماً ولم تصل لمرحلة الإنتاج بعد، وتوجيه السيولة المتاحة لقطاعات التشغيل السريع.
​ترشيد الإنفاق الإداري: دمج الهيئات الحكومية المتشابهة، وتقليص النفقات غير الضرورية للجهاز الإداري للدولة بشكل صارم ليكون التقشف متبادلاً بين الحكومة والشعب.
​2. ثورة إنتاجية: تحفيز حقيقي للصناعة والزراعة
​لا يمكن حل أزمة الدولار والتضخم إلا بزيادة العرض المحلي.
​الزراعة التعاقدية ودعم الفلاح: التوسع في زراعة المحاصيل الإستراتيجية (القمح، الذرة، الزيوت) عبر تقديم حوافز سعرية مجزية للمزارعين لتقليل فاتورة الاستيراد فوراً.
​تصفير بيروقراطية الاستثمار: منح رخص صناعية فورية، وتوفير أراضٍ ترفقها الدولة بحق الانتفاع بأسعار رمزية، وإلغاء كافة الرسوم العشوائية التي تطارد المستثمر المحلي والأجنبي.
​3. فرملة قطار الديون وإدارتها بذكاء
​سقف إلزامي للاقتراض: تشريع قانوني يضع حداً أقصى للدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لا يمكن تجاوزه إلا بموافقة برلمانية مشروطة.
​مبادلة الديون بالأصول الاستثمارية: التوسع في برامج مبادلة الديون مع الدول الدائنة لتحويلها إلى استثمارات مباشرة في مشروعات صناعية أو خدمية تولد فرص عمل، بدلاً من استنزاف الاحتياطي النقدي في سداد الفوائد.
​4. إصلاح المنظومة الضريبية (من الجباية إلى العدالة)
​التحول نحو الضرائب التصاعدية: تفعيل ضرائب حقيقية تصاعدية على الدخل والأرباح الرأسمالية الكبرى، وتخفيف العبء عن السلع الأساسية عبر خفض ضريبة القيمة المضافة عليها، لضمان ألا يتحمل الفقير والطبقة الوسطى العبء الأكبر من تمويل الموازنة.
​5. تمكين القطاع الخاص وتخارج الدولة
​تفعيل وثيقة ملكية الدولة بجدية: إنهاء حالة المنافسة غير المتكافئة بين المؤسسات التابعة للدولة والقطاع الخاص. تخارج الدولة من القطاعات غير الإستراتيجية يفتح الباب لتدفقات رؤوس الأموال ويلغي نظرة “احتكار السوق” التي تنفر المستثمرين.
​إن قوة أي حكومة لا تقاس بقدرتها على انتزاع الموارد من مواطنيها المحاصرين بالأعباء، بل بقدرتها على خلق بيئة خصبة تمكنهم من الإنتاج والابتكار. والتحول نحو هذه العقلية الاقتصادية الجديدة لم يعد مجرد خيار رفاهية، بل هو مسألة أمن قومي واستقرار مجتمعي لمصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى