مقالات

ما بيحصلش إلا في مصر

بقلم ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية

في بلاد الدنيا كلها، إذا صدر حكم على رجل أعمال كبير، أو سقطت شخصية نافذة في فضيحة مدوية، فإن صاحبنا يقضي سنوات طويلة يحاول إقناع الناس بأنه ما زال موجودًا. أما في مصر، فالأمر أكثر بساطة بكثير: يكفي أن تنتظر قليلًا، ثم تفتح الجريدة أو شاشة التلفزيون لتكتشف أن الرجل عاد، لا باعتباره مجرد مواطن عادي، بل باعتباره أحد أعيان المجتمع وحكمائه وربما ملهمًا للأجيال القادمة.
في مصر، لا يوجد شيء اسمه “نهاية الحياة العامة”. لدينا موهبة نادرة في إعادة التدوير. لا نتخلص من الشخصيات المثيرة للجدل، بل نضعها في المخزن لبعض الوقت، ثم نعيد إخراجها بعد تغيير الغلاف وتلميع العبوة.
تستيقظ صباحًا فتقرأ عن شخصية كانت قبل سنوات عنوانًا يوميًا للأخبار الساخنة، ثم تفاجأ بها مساءً تتصدر صور الاحتفالات الرسمية والمناسبات الكبرى، محاطة بالابتسامات والمصافحات وكأن شيئًا لم يكن. عندها تبدأ في الشك في ذاكرتك أنت، لا في الواقع من حولك. ربما كنت تتوهم. ربما قرأت الأخبار القديمة في رواية خيالية. وربما كانت كل تلك الضجة مجرد سوء تفاهم تاريخي.
والحقيقة أن المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم. فالبشر يخطئون ويتغيرون، وبعضهم قد يستحق فرصة جديدة بالفعل. لكن الدهشة تكمن في السرعة المذهلة التي يتحول بها الجدل إلى وجاهة، والماضي إلى تفصيلة هامشية، والرفض الشعبي إلى تصفيق حار. و المجرم عتيد الاجرام إلى نجم مجتمع ،في دول أخرى يحتاج السياسي أو رجل الأعمال إلى سنوات طويلة لإعادة بناء صورته. أما عندنا، فالصورة لا تُبنى من جديد أصلًا؛ يكفي تغيير زاوية التصوير.
لدينا قدرة استثنائية على الانتقال من أقصى الرفض إلى أقصى القبول دون المرور بمحطة الأسئلة. لا أحد يسأل: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ولماذا تغير الموقف؟ ومن الذي قرر أن الصفحة قد طويت؟ فجأة تجد الجميع يتصرفون كما لو أن الفصل السابق من القصة لم يُكتب أصلًا.
الأكثر إثارة أن المواطن العادي وحده هو الذي يُطالب دائمًا بسيرة ذاتية نظيفة. أما أصحاب النفوذ والثروة والشهرة، فلديهم امتياز خاص؛ إذ يبدو أن التاريخ بالنسبة لهم مكتوب بقلم رصاص يمكن محوه في أي لحظة.
ولهذا، كلما عادت إلى الواجهة شخصية كنت تظن أن قصتها انتهت، لا تتعجب كثيرًا. فقط ابتسم وتذكر أننا نعيش في بلد يمكن أن يتحول فيه المتهم السابق إلى نجم مجتمع، وأن يصبح الجدل القديم مجرد ذكرى محرجة لا يرغب أحد في استعادتها.
وعندما تسأل نفسك: كيف يحدث ذلك؟
لن تجد إجابة أصدق من عنوان هذا المقال:
ما بيحصلش إلا في مصر.
(عن قضية الفتوه إياه و أمثاله أتحدث)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى