التعليم المصري إلي أين ؟

بقلم: أ.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية والقائم بعمل رئيس حزب مصر المستقبل
لم يعد السؤال اليوم ترفًا فكريًا ولا جدلًا إعلاميًا عابرًا، بل أصبح صرخة حقيقية يطلقها كل من يرى ما يحدث في منظومة التعليم المصرية. فكلما جاء وزير جديد للتعليم بدأنا من الصفر، وكأن الدولة لم يكن لها تاريخ تعليمي، وكأن ملايين الطلاب والمعلمين مجرد صفحة بيضاء يمكن أن يُكتب عليها ما يشاء صاحب القرار.
المشكلة لم تعد في وزير بعينه، بل في هذا النمط العبثي من إدارة أخطر ملف في الدولة. كل وزير يأتي حاملاً فكرًا أحاديًا، ورؤية شخصية، ومجموعة من القرارات التي تُفرض على المجتمع التعليمي فرضًا، دون الرجوع الحقيقي إلى خبراء التربية، ودون الاستماع الجاد إلى أساتذة الجامعات، ودون الاستفادة من المراكز البحثية المتخصصة التي أنشئت أصلاً لتقديم الرأي العلمي الرصين.
وكأن التعليم في مصر حقل تجارب مفتوح، أو مختبر شخصي لكل وزير جديد.
إن مصر أكبر من ذلك بكثير. أكبر من أن يُترك مستقبل أبنائها رهينة اجتهادات فردية، أو أفكار متعجلة، أو مشروعات غير مدروسة. مصر التي علمت العالم يومًا، لا يليق بها أن يُخطط لتعليم أبنائها أشخاص يفتقرون إلى الرؤية المتكاملة أو الخبرة العميقة أو القدرة على إدارة منظومة بهذا الحجم والتعقيد.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد أخطاء إدارية عابرة، بل إهدار فادح للوقت والمال والجهد. سنوات تضيع في تطبيق نظام جديد، ثم لا يلبث أن يُعدَّل أو يُلغى قبل أن يستقر. مليارات تُنفق على مشروعات لا تكتمل، أو تتغير ملامحها مع أول تغيير وزاري. ومع كل تجربة جديدة يدفع الثمن الحقيقي جيل كامل من الطلاب.
أبناؤنا ليسوا فئران تجارب.
ليس من المقبول أن ينتقل الطالب من نظام إلى آخر، ومن فلسفة تعليمية إلى أخرى، لأن كل وزير يريد أن يثبت أنه جاء بجديد. وليس من المقبول أن تتحول المدارس والطلاب والمعلمون إلى ضحايا لقرارات متسرعة لم تخضع لحوار علمي أو مجتمعي حقيقي.
إن أخطر ما ينتجه هذا الفكر الوزاري الأحادي هو فقدان الاستقرار التعليمي. والتعليم بطبيعته لا يزدهر في بيئة الارتباك والتغيير العشوائي، بل يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، وخطة واضحة، وسياسة تعليمية مستقرة لا تتغير بتغير الأشخاص.
نحن لا نحتاج كل بضع سنوات إلى “تعليم وزير”.
نحن نحتاج تعليم دولة.
سياسة تعليمية وطنية واضحة ومعلنة، يشارك في صياغتها خبراء التربية الحقيقيون، وتستند إلى البحث العلمي والتجارب العالمية، وتخضع للتقييم المستمر، لكنها تبقى ثابتة في أهدافها واتجاهاتها الكبرى مهما تغيرت الحكومات والوزراء.
فأي تنمية يمكن أن تتحقق في ظل تعليم هش مضطرب؟
وأي مستقبل ننتظره إذا كان أساسه منظومة تعليمية تتغير كلما تغير المسؤول عنها؟
إن نهضة الأمم لا تُبنى بالقرارات الفردية، ولا بالأفكار المرتجلة، ولا بالمغامرات غير المحسوبة. نهضة الأمم تبدأ من تعليم قوي، مستقر، مدروس، تحميه الدولة وتلتزم به لعقود.
لذلك فإن ما نحتاجه اليوم ليس وزيرًا يأتي ليجرب أفكاره في أولادنا، بل وزيرًا يفهم حدود دوره، ويؤمن بالعمل المؤسسي، ويستمع للعلماء قبل أن يقرر، ويختبر قبل أن يعمم، ويضع مصلحة الوطن فوق الرغبة في ترك بصمة شخصية عابرة.
فمستقبل مصر ليس مشروعًا شخصيًا لوزير.
وأبناء مصر ليسوا مادة للتجارب.
ويبقى السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل:
إلى متى يظل التعليم المصري رهينة الاجتهادات الفردية؟… وإلى أين يمضي بنا هذا الطريق؟




