مقالات

قداسة من عدم ..

بقلم : إبراهيم رمضان المحامي

من أراد أن يرى كيف تُخلق القداسة من العدم، فليراقب تطور ظاهرة (ضياء العوضي)؛ فبهذا النمط تشكلت معظم الأساطير حول أخبارٍ مكذوبة في أغلبها، وتدليسٍ متعمد من المنتفعين، حتى انطبق على الحال المثل المصري الحكيم: (إحنا دافنينه سوا).

تظهر هذه الشخصيات عادةً عندما يتصدع اليقين، ويتدفق الشك من شروخ الخطاب السائد والمرجعيات العتيدة التي تشكل البناء الفوقي للتشكيلة الاجتماعية والاقتصادية القائمة على استغلال جماهيرها؛ فتتمدد هذه الظواهر لتسد الفراغ الروحي، مانحةً الإنسان المنهك والمستنزف أثمن ما يفتقده: الأمل والوعد بالخلاص. إن قوة هذه الشخصيات لا تنبني على مدى منطقية حججها، بل على نبرة الثقة المطلقة، والقدرة الاستثنائية على التكرار، وما تحشو به خطابها من مقولات توحي للمتلقي بأنها أقرب إلى الذات الإلهية من سواها. وهو ما يدفع البشر —المجبولين على التحرك بدوافع غريزية— لتصديقهم؛ فلحظة يقين واحدة أقرُّ للنفس من عمرٍ يقضيه الإنسان في شك منطقي وتساؤلات مضنية، حتى لو كان ذلك اليقين سراباً.

أضف إلى ذلك عاملاً جوهرياً يزيد من صلابة جبهة الخرافة: فبمجرد تشكّل نواة من المؤمنين، يتوقف عقل الجماعة عن التفكير المنطقي، ويتحول الارتباط بالفكرة إلى انفعال يقويه (منطق القطيع). يبدأ هؤلاء بالدفاع عن عقيدتهم التي تحولت من أفكارٍ كانت قابلة للنقاش إلى مفردات إيمانية تتسامى عن الجدل، فيضخمون الشخص والفكرة تضخيماً استثنائياً. هذه الصلابة الجماعية توحي للمراقب العادي، غير المتسلح بالمنهج العلمي، أن (وراء الأكمة ما وراءها)، مما يسهل انسياق أعداد أكبر إلى الحظيرة، لتتضخم عملية التقديس رويداً رويداً، حتى تتحول الأوهام إلى يقينيات، والشخوص العاديون —أو حتى فوق العاديين— إلى أساطير مفارقة للقدرات الممكنة للنوع البشري؛ فتُضفى القداسة، ويتحول الأتباع إلى مهووسين عقائديين، والمخالفون إلى كفار أشرار.. وعندها تبدأ الحروب المقدسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى