مقالات
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مستقبل العربية بين اللغات الحية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مستقبل العربية بين اللغات الحية
بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أن تطوُّر اللغة أمر أصيل في العربية، وهو جزء من عظمة العربية، وقدرتها على التواصل الحضاري، عبر امتدادات الأجيال، بطرق أصيلة أيضًا؛ مثل التعريب، بإدخال الكلمة الأجنبية في الشكل الهندسي الصرفي للكلمة العربية، وإلباسها الثوب العربي بالصوت العربي، والبناء الصرفي العربي المُقعَّد، وغير ذلك من وسائل تنمية اللغة العربية المعروفة التي ذكرناها سلفًا.
ويرى الدكتور رمضان عبدالتواب أن: “اللغة كائن؛ لأنها تحيا على ألسنة المتكلمين بها، وهم من الأحياء؛ وهي لذلك تتطور وتتغير بفعل الزمن، كما يتطور الكائن الحي ويتغير، واللغة العربية الجاهلية ليست بِدْعًا من اللغات، فهي حلقة في سلسلة حلقات طويلة من التطور والتغير؛ أي: إنها لم تكن كما يتخيل بعض الناس، بصورتها التي رُوِيَت لنا، منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها”[1].
ويقول الدكتور كمال بشر: “إن جمود اللغة وتخلفها، ونموها وازدهارها، كل أولئك يرجع أولاً وآخِرًا إلى وضع أهليها، وإلى نصيبهم من التعامل والتفاعل مع الحياة، وما يجري في العالم من أفكار وثقافات ومعارف جديدة ومتنامية، فإن كان لهم من ذلك كله حظ موفور، انعكس أثره على اللغة، وإن قلَّ هذا النصيب أو انعدم، بقيت اللغة على حالها دون حراك أو تقدم، اللغة لا تحيا ولا تموت بنفسها، وإنما يلحقها هذا الوجه أو ذاك بحسب الظروف والمُلابسات التي تحيط بها، فإن كانت الظروف فاعلة غنية بالنشاط العلمي والثقافي والفكري، كان للغة استجابتها الفورية، ورد فعلها القوي، تعبيرًا عن هذه الظروف، وأمارة على ما يموج به المجتمع من ألوان النشاط الإنساني، وإن حُرِمت اللغة من هذا التفاعل ظلت على حالها، وقدَّمت للجاهلين فرصة وَصْمِها بالتخلف والجمود، في حين أن قومها هم الجامدون المتخلفون”[2].
ولقد لمسنا أن اللغة الإنجليزية انتشرت على حساب العربية في كثير من البلدان، بدعوى أن اللغة العربية لغة غير علمية – وقد ذكرنا ما يدحض ذلك في المبحث السابق – والناطقون باللغة الإنكليزية أنفسهم يثبتون غير ذلك، فهذا صمويل هنتغتون يثبت في كتابه “صدام الحضارات” أن القول بعالمية اللغة الإنكليزية ما هو إلا وهم كبير، وخلص إلى القول: “إن لغةً تعـد أجنبية لدى 92% من سكان الأرض لا يمكن أن تكون عالمية”[3].
ومن الطريف ما ذكره محمد الخضر حسين: “كتب “جون فرن” قصة خيالية بناها على سُيَّاح يخترقون طبقات الكرة الأرضية حتى يصلوا أو يدنوا من وسطها، ولما أرادوا العودة إلى ظاهر الأرض بدا لهم هنالك أن يتركوا أثرًا يدل على مبلغ رحلتهم؛ فنقشوا على الصخر كتابة باللغة العربية، ولما سئل “جون فرن” عن اختياره للغة العربية، قال: إنها لغة المستقبل، ولا شك أنه يموت غيرها، وتبقى حية حتى يُرفع القرآن نفسه”[4].
وقال المستشرق الألماني يوهان فك: “إن العربية الفصحى لتدين حتى يومنا هذا بمركزها العالمي أساسيًّا لهذه الحقيقة الثابتة، وهي أنها قد قامت في جميع البلدان العربية والإسلامية رمزًا لغويًّا لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية، لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يُقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر، وإذا صدقت البوادر، ولم تخطئ الدلائل، فستحتفظ العربية بهذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدنية الإسلامية”[5].
ويتنبأ علماء اللغة في العالم بأن مستقبل كثير من اللغات مهدد بالانقراض والاندثار، كما حدث قديمًا مع كثير من اللغات الميتة بعد حياة قديمة، وأن قلة من اللغات هي التي ستبقى في المستقبل، وتشير الدلائل إلى أن هذه اللغات المتوقع بقاؤها، لن تكون إلا من ضمن لغات الأمم القوية التي تشغل الجزء الشمالي من الكوكب الأرضي، في أمريكا وأوروبا والشرق الأدنى والهند والصين، وخاصة منها اللغات العالمية، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية، تليها الفرنسية، ثم اللغات الأربع الباقية: العربية، الإسبانية، الصينية، الروسية، بمنازل متقاربة، إضافة إلى ما يتراوح بين 70-200 لغة دونها في القوة؛ كالبرتغالية، والألمانية، والإيطالية، ثم اللغات الإسكندنافية، وهي متفاوتة جدًّا فيما بينها في القوة، أما حوالي6500 لغة؛ أي: أزيد من 96% من لغات العالم، فهي تتآكل باستمرار، وتتقهقر أمام غزو اللغات القوية، وخاصة منها اللغة الإنجليزية، التي إذا سارت الأمور على ما هي عليه اليوم، فمن المحتمل جدًّا أن تبتلع وحدها هذا الكم الهائل من اللغات، الواحدة تلو الأخرى، بل وأن تبتلع بعد ذلك اللغات القوية العالمية، التي قاومت على مدى آلاف السنين[6].
ويأتي رأي الأديب الإسباني “كاميليو جوزي سيلا” – وهو الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1989م – ليثير كثيرًا من الجدل في الأوساط الغربية، ولا سيما دعاة العولمة، ومفاد هذا الرأي أن لغات العالم تتجه نحو التناقص، وأنه لن يبقى إلا أربع لغات قادرة على الحضور العالمي، هذه اللغات هي: الإنجليزية، والإسبانية، والعربية، والصينية، وقد بنى “كاميليو” رأيه على استشراف مستقبلي ينطلق من الدراسات اللسانية التي تعاين موت اللغات وتقهقرها واندثارها[7]، ويتخذ عبدالسلام المسدي من رأي “كاميليو” منطلقًا لتناول القضية، إذ يُؤَمِّل أن تكون العربية واحدة من اللغات العالمية التي سيكتب لها البقاء، ويرى أن اللغة العربية قد تشكل في طموحاتها المستقبلية أخطارًا حقيقية على دعاة العولمة الثقافية، وسياساتهم التهميشية، وذلك مردود إلى جملة أسباب، هي[8]:
1. احتمال تزايد الوزن الحضاري للغة العربية في المستقبل المنظور، فضلاً عن البعيد، فاللسان العربي هو اللغة القومية لحوالي 270 مليونًا، وهو يمثل إلى جانب ذلك مرجعية اعتبارية لأكثر من850 مليون مسلم غير عربي، كلهم يَتُوقون إلى اكتساب اللغة العربية، فإن لم يتقنوها لأنها ليست لغتهم القومية، فإنهم في أضعف الإيمان يناصرونها، ويحتمون بأنموذجها.
2. العربية تميزت بحقيقة علمية قاطعة، وأَعلَق بمعطيات المعرفة اللسانية الحديثة، فلأول مرة في تاريخ البشرية – على ما نعلمه من التاريخ الموثوق به – يكتب للسان طبيعي أن يُعمَّر حوالي سبعة عشر قرنًا محتفظًا بمنظومته الصوتية والصرفية والنحوية، فيُطوِّعها جميعًا ليواكب التطور الحتمي في الدلالات، دون أن يتزعزع النظام الثلاثي من داخله.
3. أن اللسان العربي حامل تراث، وناقل معرفة، وشاهد حي على الجذور التي استلهم منها الغرب نهضته الحديثة في كل العلوم النظرية، والطبية، والفلسفية.
________________________________________
[1] التطور اللغوي بين القوانين الصوتية والقياس، مجلة المجمع بالقاهرة، (ج33 /109).
[2]بشر، كمال، اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم، ط. دار غريب، القاهرة: 1999م، (ص54).
[3] الضبيب، أحمد، اللغة العربية في عصر العولمة، ط1، مكتبة العبيكان، الرياض: 1422ه /2001م، (ص 15).
[4]حسين، محمد الخضر، القياس في اللغة العربية، (ص12)، ط2، دار الحداثة، القاهرة، 1983م.
[5]حسين، محمد الخضر، القياس في اللغة العربية، (ص302).
[6] (اللغة العربية والعولمة الثقافية)، مجلة التعليم، المعهد التربوي الوطني، بنواكشوط العدد (34) السنة 28/ 2003م (ص 121).
[7] المسدي، عبدالسلام، العولمة والعولمة المضادة (ص390).
[8] المسدي، عبدالسلام، العولمة والعولمة المضادة (ص390).
لا توجد رؤى لعرضها
المدير التنفيذى للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة يتحدث عن الشافية وأثرها في الدرس الصرفي
بقلم \ الكاتب و المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
رئيس تحرير جريدة الأمة العربية ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
الشافية مقدمة في التصريف، ومقدمة في الخطِّ، ألَّفهما ابن الحاجب على غرار مقدمته الكافية في النحو، والذي دعاه إلى كتابتهما هو إجابة لسؤال شخص لا تسعه مخالفته؛ إذ قال: “سألني من لا يسعني مخالفتُه أنْ أُلْحِقَ بمقدمتي في الإعراب مقدمة في التصريف على نحوها، ومقدمة في الخطّ، فأجبته سائلاً متضرعًا أن ينفع بهما، كما نفع بأختهما”[2].
وقد وهم أحد الباحثين في ظنه أنَّ الذي طلب منه عمل هاتين المقدمتين هو سعد الدين محمد بن علي الساوي؛ إذ قال: (الذي سأله هو سعد الدين محمد بن علي الساوي، الذي كان يحتل منصب الوزارة مشاركةً مع الوزير رشيد الدين فضل الله الهمذاني في عهد السلطان محمود غازان أحد سلاطين المغول في إيران)[3].
وليس الأمر كذلك؛ لأن هذا الوزير الذي ذكره طلب مِن الجاربردي، لا من ابن الحاجب، أن يشرح لطلاب العلم كتاب التصريف؛ قال الجاربردي في شرحه: “أشار إليَّ جمع من الفضلاء أن أكتب له شرحًا ينحل به ألفاظه ومعانيه، وينكشف عباراته ومبانيه… حتى توسلوا بما لا تسعني معه المخالفة، وكان ذلك مظنة من الله تعالى بالمُعاونة، وحاولت الوصول إلى حضرة من خصه الله بأوفر حظٍّ من العُلا، وأوتي من الفضائل العلمية والعملية بالقدحين الرقيب والمعَلَّى… سعد الحق والملة والدِّين، ملجأ الأفاضل والأعاظم في العالمين، كهف المظلومين، ومغيث الملهوفين، معين الملوك والسلاطين محمد ابن الصاحب المعظم، والدستور المكرم، أزهد ملوك العالم… تاج الملَّة والدين: علي السَّاوي، أدام الله له العزة والرفعة”[4].
والشافية أول مُصَنَّف وصل إلينا استوفى فيه ابن الحاجب مباحث علم التصريف جميعًا، ورتبها في أبواب متناسِقة، ضمن منهجية علمية دقيقة، بعد أن كانت مبثوثة في أغلب الكتب النحوية، ولو نظرنا إلى كتب الأقدمين، كـ”الكتاب” لسيبويه، و”المقتضب” للمبرد، و”الأصول في النحو” لابن السراج، و”الجمل في النحو” للزجاجي، و”المفصل” للزمخشري، لوجدنا مباحث التصريف مندرجة مع مباحث النحو من دون استقلال لأحدهما أو تمييز، فالتصريف عندهم جزء من النحو لا يتجزأ، وفي هذا يقول الرضي في شرحه للشافية: “التصريف جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصناعة”[5].
وليس هذا فحسب، بل إنَّ العلماء الذين أفردوا كتبًا في التصريف كالمازني، وأبي علي الفارسي، وابن جني، والثمانيني، والجُرجاني، وغيرهم لم يستوفوا أبواب التصريف كلها، لذا عُدَّ كتاب الشافية من خيرة الكتب التي أُخرجت في علم التصريف، وهذا ما أكدته الدكتورة خديجة الحديثي بقولها: “الصرف نشأ مسائلَ متفرِّقةً في كتب النحو، ولا سيما في كتاب سيبويه الذي جمع فيه كثيرًا من قضاياه ومسائله، ولكنه لم يُصنِّفها ويبوبها، أو أنَّه لم يضعها الوضع الأخير، وقد بقي هذا لمن تلاه، فكتب في الصرف المازني، ولكنَّه لم يبعد كثيرًا عن مادة الصرف في الكتاب، مع اختصارها وإضافة بعض المسائل القليلة، وبعض آراء من أخذ عنهم، وكان ابن جني أغزر مادة، وأحسن ترتيبًا من المازني، فقد أطال في موضوعات الصرف، وناقش كثيرًا من الآراء، ولكنَّه لم يضع الصرف وضعه النهائي، وإن رتبه ترتيبًا أدق من ترتيب المتقدمين، ولم يخرج الزمخشري عما كتبه سيبويه والمازني وابن جني، وإن كانت الموضوعات التي ذكرَها أكثر تفصيلاً، وأحسن ضبطًا، وأخذت بحوث الصرف شكلها الأخير على يدي ابن الحاجب، الذي هذب مسائله، ورتَّب أبوابه، وجمع ما تفرق من مسائله في الكتب الأخرى، فكان كتابه “الشافية” من خيرة الكتب التي أخرجت في الصرف من ناحية الإحاطة والتبويب”[6].
وقد اشتملت شافية ابن الحاجب على:
1- خطبة موجزة، استهلَّها بحمد الله – عزَّ وجلَّ – والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه رضوان الله عليهم أجمعين، وبعد ذلك بيَّن الدافع وراء تأليفه لها.
1- تعريف التصريف.
2- أنواع الأبنية.
3- الميزان الصرفي.
4- القلب المكاني.
5- الصحيح والمعتل.
6- أبنية الاسم الثلاثي المجرد.
7- رد بعض الأبنية إلى بعض.
8- أبنية الاسم الرباعي.
9- أبنية الاسم الخماسي.
10- أبنية الاسم المزيد فيه.
11- أحوال الأبنية.
12- الفعل الماضي.
13- الفعل المضارع.
14- الصفة المشبهة.
15- المصدر.
16- اسم المَرة والنوع.
17- أسماء الزمان والمكان.
18- اسم الآلة.
19- التصغير.
20- المنسوب.
21- جمع التكسير.
22- التقاء الساكنين.
23- الابتداء.
24- الوقف.
25- المقصور والممدود.
26- ذو الزيادة.
27- الإمالة.
28- تخفيف الهمزة.
29- الإعلال.
30- الإبدال.
31- الإدغام.
32- الحذف.
33- مسائل التمرين.
34- مقدمة الخط، وتشتمل على:
أ- تعريف الخط.
ب- بيان الأصل في الكتابة.
ج- كتابة الهمزة أولاً ووسطًا وآخرًا.
د- الفصل والوصل.
هـ- الزيادة.
و- النقص.
ز- البدل، وهذا آخر مبحث في مقدمة الخط، وبه تنتهي الشافية.
ب. عبارتها:
الشافية كتاب ضم بين دفتيه مسائل التصريف والخط في غاية الإيجاز؛ ولذا اتسمت عباراتها في كثير من الأحيان بالغموض، والإبهام، والإغلاق، ولم تكن كافيةً وافيةً بالغرض المطلوب أو باستيعابها التفصيلي لأحكام التصريف؛ إذ كان ابن الحاجب في عدة مواطن يطلق في موضع التقييد، أو العكس، ويجمل في موضع التفصيل، ومن المعلوم أن غالب الخلل في العبارة العلمية يأتي: إما من زيادة لا داعي لها، أو أنْ تكون العبارة مشكلة وغير واضحة؛ وذلك بأن يجوز حمْلُها على غير وجه، فإذا حُملت على وجهٍ ما أفادت معنًى، وإذا حُملت على وجه آخر أفادت معنًى مغايرًا، فيَحتار القارئ أو الشارح في تفسيرها، فرُبَّما لا يُفهم كلامُ المصنف على وجهه فيعدُّه الشارح غلطًا وهو مستقيم؛ ولذا كانت العبارة القاصرة والموهمة والغامضة وراء الكثير من الاعتراضات التي وجهت إلى الشافية، ومن ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر:
1- قال ابن الحاجب في شافيته: “فإن اتفق اجتماع ثلاث ياءات، حُذفت الأخيرة نَسْيًا، على الأفصح”[7].
يقول ابن الناظم: “هذا يوهم أن نحو: “عطاء” يجوز أن يقال في تصغيره “عُطَيٌّ وعُطِيٌّ”، وهذا لا يجوز، ولا يقوله أحد، والصواب أن يقال: فإن اجتمع في الطرف ثلاث ياءات، حذفت الأخيرة من غير باب “أَحْوَى” نَسْيًا بإجماع”[8].
2- قال ابن الحاجب في تكسير الاسم الثلاثي المؤنث: “المُؤَنَّثُ: نَحْو قَصْعَةٍ عَلَى قِصَاعٍ، وبُدُورٍ، وبِدَرٍ، ونُوَبٍ”[9].
يقول ابن الناظم: “يُتوهَّم من هذا أن تكسير الاسم من “فَعْلَةٍ” على “فُعُول، وفِعَل، وفُعَل”، من الكثرة بمنزلة تكسيره على “فِعَالٍ”، وليس الأمر كذلك؛ بل تكسير الاسم من “فَعْلَة” على “فِعَالٍ” هو الغالب المطرد، وتكسيره على “فُعُول” وأخويه قليل محفوظ”[10].
3- وقال في تكسير مؤنث ما زيادته مدة ثالثة صفة: “وَنَحْو عَجُوزٍ عَلَى عَجَائِزَ”[11].
يقول ابن الناظم معترضًا عليه: “قوله: ونحو عَجُوزٍ على عَجَائِزَ، كلام قاصر؛ لأن ما كان وصفًا على “فَعُول” فإنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمذكر منه بابه أن يجمع على “فُعُل” فحسب، نحو: صَبُور وصُبُر، وغَدُور وغُدُر، وغَفُور وغُفُر، والمؤنث منه بابه أن يجمع على “فُعُل وفَعَائِل”، نحو: عَجُوز وعُجُز وعَجَائِز، وقَلُوص وقُلُص وقَلائِص، وسَلُوب وسُلُب وسَلائب”[12].
4- وقال في المصدر الميمي: “وَيَجِيءُ المَصْدَرُ مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ أَيْضًا عَلَى مَفْعَل، قِيَاسًا مُطَّرِدًا كَـ: مَقْتَلٍ، ومَضْرَبٍ”[13].
يقول الرضي: (قوله: قياسًا مطردًا، ليس على إطلاقه؛ لأن المثال الواوي منه بكسر العين كالمَوْعِد والمَوْجِل، مصدرًا كان أو زمانًا أو مكانًا، على ما ذكر سيبويه[14]، بلى إن كان المثال معتلَّ اللام كان بفتح العين، كالمَوْلَى، مصدرًا كان أو غيره”[15].
5- وقال في باب الوقف: “وَإِبْدَالُ الأَلِفِ فِي المَنْصُوبِ المُنَوَّنِ، وَفِي إِذًا، وَفِي نَحْوِ: اضْرِبَنْ، بِخِلافِ المَرْفُوعِ وَالمَجْرُورِ فِي الوَاوِ وَاليَاءِ، عَلَى الأَفْصَحِ”[16].
يقول الرضي: “قوله: بخلاف المرفوع والمجرور في الواو والياء، عبارة ركيكة، ولو قال: بخلاف الواو والياء في المرفوع والمجرور، لكان أوضح، يعني لا يقلب تنوين المرفوع واوًا، وتنوين المجرور ياءً، كما قلبت تنوين المنصوب ألفًا؛ لأداء ذلك إلى الثقل في موضع الاستخفاف”[17].
6- وقال في ذي الزيادة: “وَاليَاءُ زِيدَتْ مَعَ ثَلاثَةٍ فَصَاعِدًا، إِلا فِي أَوَّلِ الرُّبَاعِيِّ إِلا فِيمَا يَجْرِي عَلَى الفِعْلِ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَسْتَعُورٌ[18] كعَضْرَفُوطٍ[19]”[20].
يقول الرضي: “قوله: إلا فيما يَجري على الفعل، وَهمٌ، وحقُّه إلا في الفعل كـ: يُدَحْرِجُ؛ لأن الاسم الجاري على الفعل لا يوجد في أوله ياء”[21].
وغيرها من الأمثلة التي تطالع الناظر في شروح الشافية الأخرى[22].
ج. مصادرها:
مما لا شك فيه أنَّ ابن الحاجب في كتابه الشافية استفاد مِنْ مصنَّفات مَنْ سبقه، فإنَّه قد تضمن كثيرًا من آراء العلماء وأقوالهم، إلا أنَّه خلا من التصريح بأسماء المصادر التي استمد منها مادته؛ ففي مقدمته في التصريف اعتمد على عدد من الكتب؛ أبرزها: كتاب المفتاح في الصرف لعبدالقاهر الجرجاني، وكتاب: المفصل للزمخشري، والأمر هنا لا يحتاج إلى أدلة وبراهين؛ لأن كلاًّ من الشافية والمفتاح والمفصل مطبوع، وليس أيسر من الموازنة بين الشافية وبين الكتابين المذكورين، فضلاً عن ذلك أني وجدت اليزدي كثيرًا ما يناقش كلام ابن الحاجب في الشافية ويعرضه على كلام الزمخشري في المفصل، ومن ذلك قوله: “وقول الزمخشري[23]: ولم يَجئ في الواو “يفعِل” بالكسر، ولا في الياء “يفعُل” بالضم، أحسن وأسد”[24].
وقد ذكر السيوطي كذلك نصًّا قال فيه: “قول الشافية[25]: فإن اتفق اجتماع ثلاث ياءات حُذفَت الأخيرة نَسْيًا، على الأفصح، قيل: الصواب أن يقول: بإجماع؛ لأنَّه لا خلاف في ذلك، قلت: ولهذا لم يذكر هذه اللفظة الزمخشري في المفصل الذي أخذ المصنف مقدمتيه[26] منه”[27]، فضلاً عن ذلك أفاد من كتاب سيبويه، ومن مصنَّفات ابن جني، ولا سيما مسائل التمرين.
أما مقدمته في الخطِّ، فلا ريب أنَّه استفاد فيها من مؤلفات من سبقه، كـ: أدب الكاتب لابن قتيبة، ومن الجمَّل في النحو للزجاجي، ومن كتاب الكُتَّاب لابن درستويه، ومن كتاب الهجاء لابن الدهان النحوي.
د. شواهدها:
لم تكن شواهد الشافية كثيرة جدًّا، وقد يرجع سبب ذلك إلى اختصار الكتاب وصغر حجمه، وقد جاءت شواهدها متنوعة على النحو الآتي:
1- القرآن الكريم وقراءاته:
لا يختلف اثنان على أن القرآن الكريم هو المورد الصافي والمصدر الأساس في تأصيل اللغة العربية، وقد تضمَّنت الشافية عدة آيات[28]، أما القراءات القرآنية فلم يلتزم المصنِّف في استشهاده قراءة معينة، بل استشهد بقراءات مختلفة[29].
2- الشعر:
لم تخلُ الشافية من الشواهد الشعرية، ولكنها كانت فيها قليلة جدًّا؛ إذ بلغت ثمانية شواهد من الشعر والرجز[30].
3- أمثال العرب:
ورد في شافيته مَثَلان عربيان، أحدهما: “إنَّ البُغَاثَ بأرضِنَا تَسْتَنْسِرُ”[31]، والثاني: “حَلْقَتَا البِطَان”[32].
4- لغات العرب:
وردت في الشافية، ولكنها قليلة جدًّا، وهي على النحو الآتي: لغة بني عامر[33]، وطيِّئ[34]، وهذيل[35]، وكلب[36]، وتميم[37]، وهناك لغات أخرى إلا أنها غير منسوبة[38].
يتبين مما تقدم أن ابن الحاجب في شافيته لم يستشهد بالحديث النبوي الشريف، ولا بأقوال الصحابة رضي الله عنهم.
________________________________________
[1] طُبعت مع عدد من شروحها كشرح الرضي، وركن الدين، والجاربردي، واليزدي، وقد طبعت كذلك مع مجموع مشتمل على جملة رسائل في علم الصرف؛ كالمراح، والعزي، والمقصود، والبناء، والأمثلة، بمطبعة دار إحياء الكتب العربية بمصر، ط2، سنة 1341هـ – 1922م، وقد قام بتحقيقها في عمل منفصل الدكتور حسن أحمد العثمان في طبعتها الصادرة عن دار البشائر البيروتية سنة 1415هـ – 1995م، وطبعت في عمل ملحق بكتاب: أبنية الفعل في شافية ابن الحاجب؛ لعصام نور الدين، سنة 1418هـ – 1997م، وقد قام بتحقيقها كذلك في عمل منفصل الدكتور الدرويش الجويدي في طبعتها الصادرة عن المكتبة العصرية البيروتية سنة 1429هـ – 2008م، ولعل أفضلها تحقيقًا تحقيق الدكتور حسن أحمد العثمان؛ إذ اعتمد في تحقيقها على ثلاث نسخ.
[2] الشافية في علم التصريف (ص: 5).
[3] اعتراضات الرضي على ابن الحاجب في شرح الشافية (ص: 21).
[4] شرح الشافية؛ للجاربردي (ص: 6، 7).
[5] شرح الشافية؛ للرضي (1 / 6).
[6] أبنية الصرف في كتاب سيبويه (ص: 39، 40).
[7] الشافية في علم التصريف (ص: 33).
[8] بغية الطالب (ص: 52).
[9] الشافية في علم التصريف (ص: 45).
[10] بغية الطالب (ص: 77).
[11] الشافية في علم التصريف (ص: 50).
[12] بغية الطالب (ص: 83)، وينظر الصفحات الآتية (ص: 7، 24، 25، 31، 44، 49، 55، 64، 66، 69، 73، 91، 96، 97، 98 وغيرها).
[13] الشافية في علم التصريف (ص: 28).
[14] ينظر: الكتاب (4 / 93).
[15] شرح الشافية؛ للرضي (1 / 170).
[16] الشافية في علم التصريف (ص: 63).
[17] شرح الشافية؛ للرضي (2 / 280).
[18] اليَسْتَعُورُ: شجرٌ تصنع منه المساويك، ويقال: موضع قرب المدينة؛ ينظر: الصحاح “يسعر” (2 / 859)، ولسان العرب “يستعر” (5 / 300)، وتاج العروس “يستعر” (14 / 472، 474).
[19] العَضْـرَفُوطُ: دُويبَة بيضاء ناعمة، ويقال: ذَكَر العَظاء؛ ينظر: العين (2 / 345، 346)، والصحاح “عضرفط” (3 / 1143)، ولسان العرب “عضرفط” (7 / 351).
[20] الشافية في علم التصريف (ص: 76).
[21] شرح الشافية للرضي (2 / 357)، وينظر الصفحات الآتية: (1 / 19، 29، 66، 96، 100، 136، 140، 153، 186، 193، 202، 227، 235، 250 وغيرها).
[22] ينظر: شرح الشافية لركن الدين (1 / 263، 265، 367، 371، 386، 402، 420، 455)، وشرح الشافية للجاربردي (ص: 19، 45، 50، 67، 72، 190، 298)، وشرح الشافية لنقره كار (ص: 15، 29، 36، 44، 224).
[23] ينظر: المفصل (ص: 320).
[24] شرح الشافية لليزدي (1 / 244)، وينظر: (1 / 129، 212، 236، 267، 450، وغيرها).
[25] ينظر: الشافية في علم التصريف (ص: 33).
[26] المقصود بهما: الكافية، والشافية.
[27] النكت (2 / 311).
[28] ينظر: الشافية في علم التصريف (ص: 42، 57، 58، 59، 60، 62، 64، 84، وغيرها).
[29] ينظر: المصدر نفسه (ص: 9، 58، 60، 62، 64، 87، 89، 91، 92، وغيرها).
[30] ينظر: الشافية في علم التصريف (ص: 24، 78، 90، 102، 118، 119، 129، 131).
[31] ينظر: الشافية في علم التصريف (ص: 21)، وأمثال أبي عبيد (1 / 93)، وجمهرة الأمثال (ص: 120، 142).
[32] ينظر: الشافية في علم التصريف (ص: 56)، وهو جزء من مثل يقال: التقت حلقتا البطان؛ ينظر: مجمع الأمثال (2 / 186).
[33] ينظر: المصدر نفسه (ص: 23).
[34] ينظر: المصدر نفسه (ص: 23، 105، 114، 116).
[35] ينظر: المصدر نفسه (ص: 46).
[36] ينظر: المصدر نفسه (ص: 119).
[37] ينظر: المصدر نفسه (ص: 121، 125).
[38] ينظر: المصدر نفسه (ص: 59، 66، 67).
لا توجد رؤى لعرضها





