مقالات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فلسفة البحث العلمي

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فلسفة البحث العلمي
بقلم / المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الرئيس التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا
الرئيس التنفيذي لجامعة سيتي بكمبوديا
الرئيس التنفيذي للمؤسسة الدولية للدراسات المتقدمة بأمريكا
ورئيس جامعة الوطن العربي الدولي ( تحت التأسيس )
الرئيس الفخري للجمعية المصرية لتدريب وتشغيل الخريجين
الرئيس الفخري لمنظمة العراق للإبداع الإنساني بألمانيا الإتحادية
الرئيس التنفيذي للجامعة الأمريكية الدولية
الرئيس الفخري للمركز الدولي الفرنسي للعلماء والمخترعين
الرئيس الشرفي للإتحاد المصري للمجالس الشعبية والمحلية
قائمة تحيا مصر
مما لاشك فيه أن عصرنا تفجرت ينابيع المعرفة والاكتشافات، وأورثت تلك العلوم والمعارف تفوقًا سياسيًا وصناعيًا رافقه نتاج فكري وأدبي غزير، نقلت البشر إلى حال من الرفاهية جديد، وسيدت تلك العلوم أربابها، ومكنتهم من بسط نفوذهم على كثير من البلاد احتلالاً واستعمارًا، وأدرك المغلوبين ما يدرك المهزوم عادة مما قرره أهل التاريخ والاجتماع، من أن المغلوب مولع أبدًا بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وعوائده وسائر أحواله، وكان الظهور هذه المرة لغير المسلمين في زمن ضعفهم في أمور دينهم ودنياهم، وأصيب كثير من المسلمين هذه المرة ليس في أجسادهم وأبشارهم، وإنما في قناعاتهم وذواتهم، وعندما تصاب أمة من الأمم بهذا المرض المدمر -وهو فقدان الذات- فإن أبرز أعراضه يتمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى، والاستمداد غير الواعي من منهاجهم ونظمها وقيمها.
ولعل من أهم أسباب تقدم الأمم ورفعتها الاهتمام بالعلم والمعرفة ، وانتهاج طريق البحث العلمي بخطواته وأهدافه ، والبحث العلمي : أسلوب منظم في جمع المعلومات الموثوقة ، وتدوين الملاحظات ، والتحليل الموضوعي لتلك المعلومات، باتباع أساليب ومناهج علمية محددة ؛ بقصد التأكد من صحتها أو تعديلها أو إضافة الجديد لها، ومن ثم التوصل إلى بعض القوانين والنظريات، والتنبؤ بحدوث مثل هذه الظواهر والتحكم في أسبابها..
دعوة الإسلام للاجتهاد والتفوق العلمي ..
لقد رغب الإسلام في طلب العلم، وحث علي الاجتهاد والتفوق العلمي، ولا أدل علي ذلك من أن أول قضية تناولها القرآن الكريم هي قضية العلم، وأول أمر سماوي نزل به الوحي هو الأمر بالقراءة التي هي مفتاح العلم ، وأهم أدواته ..
قال تعالى:﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ كما سميت سورة كاملة في القرآن الكريم باسم “القلم”،
فأقسم الله تعالى بالقلم وهو من أدوات العلم ، والسطور والكتاب ، والصحف ، وذلك لبيانِ فضلِهِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبدأها الحق بقوله : ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ [القلم:1]..
وأهل العلم هم أهل البصائر أنار الله بصيرتهم فهم يرون ما لا يراه الناس، وقد قال أهل العلم في زمان قارون: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾ [القصص: 80].
وأهل العلم أيضا هم أهل الخشية من الله تعالى قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ (فاطر: 28)، وهم كذلك أهل الشهادة مع مولاهم والملائكة الكرام، قال الله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران:18].
ومن فضائلِ العلمِ وبركاتِهِ أنه لا مقارنة بين أهل العلم وفاقديه ..
قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9]،
وأخبرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: أنَّ اللهَ إذَا أرادَ بعبدٍ خيراً رزقَهُ العلم النَّافعَ، في الصحيحين عن معاوية بن ابي سفيان قالَ النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وإنما أنَا قاسِمٌ واللهُ يُعْطِي، ولن تزالَ هذه الأمةُ قائمةً على أمرِ اللهِ لا يَضُرُّهم مَن خالفهم، حتى يأتيَ أمرُ اللهِ” (صحيح البخاري 71 عن معاوية بن أبي سفيان
وطريق طلاب العلم هو طريق الجنة ونعيمها في الدنيا والآخرة ، ومع ذلك فإن مجالس العلم مظان السكينة والرحمة ةنزول الملائكه ..
قال رسول الله عليه وسلم قال: ” مَن نفَّسَ عن مُسلمٍ كُربةً من كرَبِ الدُّنيا، نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَن سترَ مسلِمًا سترَهُ اللَّهُ في الدُّنيا والآخرةِ، ومَن يسَّرَ على مُعسرٍ يسَّرَ اللَّهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ، واللَّهُ في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ، ومَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طريقًا إلى الجنَّةِ، وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ، يَتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويَتدارسونَهُ بينَهُم، إلَّا حفَّتهمُ الملائِكَةُ، ونزَلت عليهمُ السَّكينةُ، وغشيتهمُ الرَّحمةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فيمن عندَهُ، ومن أبطأَ بِهِ عملُهُ لم يُسرِعْ بِهِ نسبُهُ ” (صحيح ابن ماجه 185 بسندٍ صحيحٍ)،
وقال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ…) البقرة /٣١.
منذ ذلك اليوم الأول الذي أصاب فيه آدم علمًا استمر العلم والإنسان مصطحبين، يؤثر أحدهما في الآخر، ومتى وجد العلم النافع في أمة هداها، فقوم منها السلوك ورقاها في مدارج الحضارة، وليس القصد بيان أهمية العلم وفضله، فإن هذا مما استقر في النفوس وأصبح من بدائه العقول.
قال الإمام أبو حامد الغزالي (رحمه الله): عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:
“إنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْعَمَى ، وَنُورُ الأَبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ ، وَقُوَّةُ الأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ ، يَبْلُغُ بِالْعَبْدِ مَنَازِلَ الأَبْرَارِ ، وَمَجَالِسَ الْمُلُوكِ ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَالْفِكْرَةُ فِيهِ تُعْدَلُ بِالصِّيَامِ ، وَمُدَارَسَتُهُ بِالْقِيَامِ ، وَبِهِ يُطَاعُ وَيُعْبَدُ ، ويوحد ويمجد ، وَبِهِ يُعْمَلُ وَيُحْفَدُ ، وَبِهِ يُتَوَرَّعُ وَيُؤْجَرُ ، وَبِهِ تُوصَلُ الأَرْحَامُ ، وَيُعْرَفُ الْحَلالُ مِنَ الْحَرَامِ ، العلم إِمَامُ الْعَمَلِ ، وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ ، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ ، وَيُحْرَمُهُ الأَشْقِيَاءُ ” . إحياء علوم الدين . كتاب العلم .
وفي هذا كله تنبيه للناس كافة علي بيان فضل العلم، والحث عليه، وإشارة صريحة إلى أن الإسلام دين العلم والمعرفة، وأن الأمة الإسلامية هي أمة العلم والحضارة.
ويكفي العلم شرفـًا أن الله عزّ وجل لم يؤمر نبيه ﷺ بطلب الاستزادة من شيءٍ سِوى العلم، فقد قال -عزّ من قائل-: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ طه /١١٤.
علي أننا نؤكد أن التفوق العلمي الذي رغب فيه الإسلام ليس مقتصرًا على التفوق في ميدان العلم الشرعي فحسب، وإنما يشمل كل علم يتفع الناس في شئون دينهم، وشئون دنياهم؛ ولذلك فقد جاء قول الله تعالى : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ في معرض الحديث عن العلوم التجريبية التي تخدم الاغراض الدنيوية ، كالعلوم الكونية، والبيولوجية ، والجلوجية، والفسيولجية ؛ حيث يقول سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ وفي ذلك دلالة علي اهتمام الإسلام وعنايته بالعلوم الكونية كاهتمامه وعنايته بالعلوم الشرعية، وأن التفوق العلمي في شتي المجالات من أهم عوامل بناء الحضارات واستمرارها، ولله در القائل: بِقُوَّةِ الْعِلْمِ تَقْوَى شَوْكَةُ الأُمَمِ *** فَالْحُكْمُ فِي الدَّهْرِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَلَمِ..
لقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يجوبون الأرض شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا لطلب العلم ، ويضحون في سبيل ذلك بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ..
أورد الإمام الذهبي في السير عن: ” هشام بن عمار قال : باع أبي بيتا له بعشرين دينارا، وجهزني للحج. فلما صرت إلى المدينة، أتيت مجلس مالك، ومعي مسائل أريد أن أسأله عنها. فأتيته، وهو جالس في هيئة الملوك، وغلمان قيام، والناس يسألونه، وهو يجيبهم. فلما انقضى المجلس، قال لي بعض أصحاب الحديث: سل عن ما معك؟ فقلت له: يا أبا عبد الله، ما تقول في كذا وكذا؟ فقال: حصلنا على الصبيان، يا غلام احمله. فحملني كما يحمل الصبي وأنا يومئذ غلام مدرك فضربني بدرة مثل درة المعلمين سبع عشرة درة، فوقفت أبكي فقال لي: ما يبكيك؟ أوجعتك هذه الدرة؟ قلت: إن أبي باع منزله، ووجه بي أتشرف بك وبالسماع منك فضربتني، قال يعقوب بن إسحاق الهروي، عن صالح بن محمد الحافظ: سمعت هشام بن عمار، يقول: دخلت على مالك، فقلت له: حدثني، فقال: اقرأ، فقلت: لا. بل حدثني، فقال: اقرأ، فلما أكثرت عليه، قال: يا غلام، تعال اذهب بهذا، فاضربه خمسة عشر، فذهب بي فضربني خمس عشرة درة، ثم جاء بي إليه، فقال: قد ضربته، فقلت له: لم ظلمتني؟ ضربتني خمس عشرة درة بغير جرم، لا أجعلك في حل، فقال مالك: فما كفارته؟ قلت: كفارته أن تحدثني بخمسة عشر حديثا قال: فحدثني بخمسة عشر حديثا. فقلت له: زد من الضرب، وزد في الحديث، فضحك مالك، وقال: اذهب ” ( سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي)..
تقدير الإسلام لأهل العلم والعلماء..
إن للعلماء في الإسلام مكانة عليا ، ومنزلة سميا، ومثل العلماء ، شامة في جبين الدهر ، ودرة على وجه التاريخ ، والعلماء في الإسلام كمثل المصابيح التي يُهتدى بها في ظلام الدجى، ومثل الناس في هذه الدنيا ومثل العالم الذي يبيِّن للناس طريق الله -تعالى- وطريق النجاة، كمثل أناس كانوا يسيرون في ليلة شديدة الظلام في وادٍ فيه سباع وهوام، فلا يدري الواحد منهم من أين يؤتى؟ ثم جاءهم من يحمل مصباحًا أضاء لهم الطريق فاتبعوه حتى أخرجهم من هذا الوادي.(ملتقى الخطباء).
ويقول النبي ﷺ: “الدُّنيا مَلعونةٌ، مَلعونٌ ما فيها ؛ إلَّا ذِكْرُ اللهِ و ما والاهُ، و عالِمًا و مُتعلِّمًا” (أخرجه المنذري بصيغة التصحيح)..
وقد بين نبينا ﷺ أن أهل العلم هم ورثة الأنبياء في إرشاد الناس، وهدايتهم، والأخذ بناصيتهم إلى طريق الحق والنور، والتقدم والرقي،
وَالْمَالُ مِيرَاثُ الْمُلُوكِ وَالأَغْنِيَاءِ..
قال ﷺ (إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ) ويقول ﷺ (وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ)..
وعن صفوان بن عسالٍ رضي الله تعالى عنه قال:
” أتيتُ النبيَّ و هو في المسجدِ مُتَّكيءٌ على بُرْدٍ له أحمرَ، فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ ! إني جئتُ أَطلبُ العلمَ، فقال: مرحبًا بطالبِ العلمِ، إنَّ طالبَ العلمِ تحفُّه الملائكةُ وتُظلُّه بأجنحَتِها، ثم يركبُ بعضُهم بعضًا حتى يبلغوا السماءَ الدُّنيا من محبَّتِهم لما يَطلبُ ” (أخرجه المنذري بصيغة التصحيح).
وَعَنْ عَلَيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: “كَفَى بِالْعِلْمِ شَرَفًا أَنْ يَدَّعِيَهِ مَنْ لا يُحْسِنُهُ، وَيَفْرَحُ إِذَا نُسِبَ إِلَيْه، وَكَفَى بِالْجَهْلِ ذَمًّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ مَنْ هُوَ فِيهِ”.
وعنه رضي الله تعالى عنه قال :
الناس من جهة التمثيل أكفاءُ
أبوهم آدمٌ والأم حوَّاءُ
نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مشاكلةٌ
وأعظمٌ خلقت فيهم وأعضاءُ
فإن يكن لهم من أصلهم نسبٌ
يفاخرون به فالطين والماءُ
ما الفضل إلا لأهل العلم أنهم
على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وحسب كل امرئٍ ما كان يحسنه
وللرجال على الأفعال سيماء
وضد كل امرئ ما كان يجهله
والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
ففز بعلمٍ تعش حيَّاً به أبداً
الناس موتى وأهل العلم أحياءُ
وقال الحسن البصري -رحمه الله-: “يوزن مداد العلماء بدم الشهداء يوم القيامة، فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء”.
وقال -رحمه الله-: “لولا العلماء لصار الناس كالبهائم”..
وعن الدرداء رضي الله عنه قال:”كن عالماً أو متعلماً، ولا تكن الثالث فتهلك”..
وقيل “كن عالماً أو متعلماً، أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامسة فتهلك “؛ لأن المستمع والمحب يعدان من صنف المتعلم ..
إخوة الإسلام بالعلماء صلاح الدنيا؛ لأنه لا انفصال بين الدين والدنيا.. قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- : «الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يُحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يُحتاج إليه بعدد الأنفاس».
وعنه رضي الله عنه قال:
“لا شَيْءَ يَعْدِلُ الْعِلْمَ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَصِحُّ نِيَّتُهُ؟! قَالَ: أَنْ يَنْوِيَ بِهِ رَفْعَ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ وَرَفْعَ الْجَهْلِ عَنْ غَيْرِه”..
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ” لَمَوْتُ أَلْفِ عَابِدٍ قَائِمٍ اللَّيْلَ صَائِمٍ النَّهَارَ أَهْوَنُ مِنْ مَوْتِ الْعَاقِلِ الْبَصِيرِ بِحَلالِ اللَّهِ وَحَرَامِهِ”
وقال كميل بن زيادٍ:« أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالكوفة فخرجنا حتى انتهينا إلى الجبان فلما أصحر تنفس صعداء ثم قال لي يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها للعلم احفظ عني ما أقول لك الناسُ أصناف ثلاثةٌ: عالمٌ رَبَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلونَ مع كلِّ ريحٍ، لم يستضيئوا بنورِ العلمِ، ولم يَلْجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ
يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال المال ينقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق يا كميل بن زياد محبة العالم دين يدان تكسبه الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته ومنفعة المال نزول بزواله العلم حاكم والمال محكوم عليه يا كميل مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة »(تاريخ دمشق لابن عساكر)..
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله جل وعلا: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) [الرعد:41].
قال: ” خراب الأرض بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها “.
الأرض تحيا إذا مـا عاش عالمهـا *** متى يمت عالم منها يمت طرفُ
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حلّ بها *** وإن أبى عاد في أكنافها التلف ..
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَالُوا لإِبْلِيسَ: يَا سَيِّدَنَا مَا لَنَا نَرَاكَ تَفْرَحُ بِمَوْتِ الْعَالِمِ مَا لا تَفْرَحُ بِمَوْتِ الْعَابِدِ؟ فَقَالَ: انْطَلِقُوا، فَانْطَلَقُوا إِلَى عَابِدٍ قَائِمٍ يُصَلِّي، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَكَ، فَانْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي جَوْفِ بَيْضَةٍ؟ فَقَالَ: لا، فَقَالَ: أَتَرَوْنَهُ؟ كَفَرَ فِي سَاعَةٍ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى عَالِمٍ فِي حَلْقَةٍ، يُضَاحِكُ أَصْحَابَهُ وَيُحَدِّثُهُمْ، فَقَالَ: أَنَا نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَكَ، فَقَالَ:سَلْ، فَقَالَ: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي جَوْفِ بَيْضَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: يَقُولُ لِذَلِكَ إِذَا أَرَادَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، قَالَ إِبْلِيسُ: أَتَرَوْنَ ذَلِكَ؟ لا يَعْدُو نَفْسَهُ، وَهَذَا يُفْسِدُ عَلَيَّ عَالَمًا كَثِيرًا ] (يوسف بن عبد البر القرطبي / جامع بيان العلم وفضله ص .٥) ..
ومن هنا يجب أن يعرف للعالم العامل قدره، وأن يوقر لله ولما يحمله من دين الله، والحذر كل الحذر من التهوين من شأنهم لدى العامة فقد حوى صدره علم الشريعة، وقلبًا ملئ خشية وإيمانًا، وكهلاً أفنى عمره في العلم بالله وآياته وأحكامه لهو حقيق بالتوقير والإجلال..
ضرورة العلم لتقدم الأمم وعمران الحياة ..
لا شك أن العلم أهم سبيل لتقدم الأمم ورفعتها ونهضتها، فبالعلم تبنى الأمم، وتستصلح الأراضي، وتعمر الحياة ، وتعظم السلالات، وتدار التجارات، وتطور الصناعات، وتعالج الآفات، وتستخرج المعادن، والأمة العظيمة هي التي تبهر العالم بما تنتجه من علم ومعرفة، وما تتقنه من زراعة، وصناعة، وتجارة، وثقافة، وما تخرجه من الأطباء البارعين والمهندسين المتقنين، والصناع الحرفيين الماهرين .
فمنذ اليوم الأول لوجود الإنسان وعلى مرّ الأزمان، تفرع العلم وتشعب وانقسم وتعدد، إلا أنه يمكن إدراج العلم تحت قسمين رئيسين هما: علم الشريعة والدين، وعلم الطبيعة والتجريب، وتجاذَب هذين العلمين البشرُ على مر العصور، فيأخذون من هذا ويأخذون من ذاك، ويشتغلون بهما أو بأحدهما، وفي العصور الماضيات كانت علوم الشرائع والأديان هي المقدمات لدى الأمم، وأهلها من الأحبار والعلماء هم خواص الملوك وجلساؤهم، وهم أهل الرأي والمشورة فيهم، وبقدر قرب الولاة والعلماء يكون قرب الأمة من شريعتها، وبقدر تباعدهم يكون بعد الأمة عن شريعتها، وقد تجلّى هذا التقارب والتمازج في القرون الأولى من عمر أمة الإسلام، فهديت ورشدت وتبعت تلك النهضة الدينية نهضة دنيوية، تطورت على إثر ذلك علوم تجريبية كثيرة، ويكاد يكون هذا الأمر مضطردًا؛ إذ كل نهضة دينية راشدة في تاريخ الإسلام تعقبنها نهضة دنيوية.
لقد صاح المنصفون من جهة الغرب: قدمنا لكم الصناعات والمخترعات، فقدموا ما لديكم من نور الإيمان، حيث شقوا بهذه الحضارة، ثم أصبح العالم وقد انهارت نظم الرأس المالية وقبلها الشيوعية، فصاح المنصفون مرة أخرى بأهل الإسلام: قدموا ما لديكم من نظم تستمد نورها من السماء، فهل يقدر على ذلك غير العلماء المؤصلين، وهل تقوى أمة الإسلام على تقديم مشروع اقتصادي إسلامي عالمي إلا إذا كان لها مراكز البحث العلمي المتخصص، والجامعات العريقة المتخصصة، والباحثون المتخصصون في كل المجالات النافعة في الحياة..
إن كل ميدان من ميادين الحياة له ارتباط وثيق بالدين، ولا انفصال بين الدين والحياة، وإننا في حياتنا نحتاج إلى التاجر والمزارع والطبيب والمهندس والمدير والحاكم، وكل هؤلاء يحتاجون إلى العلم والعلماء، وإن الناس إذا استغنوا عن العلماء ورثة الأنبياء أو خرجوا عن طاعتهم، لم يفسد دينهم فحسب، بل يفسد دينهم ودنياهم على حد سواء..
ومن هنا يعتبر العلم أساساً متينا في بناء الدول وبدونه كيف تُبنى الدول وتتقدم ؟ . إذا ما اجتهد الإنسان وبذل وسعه في تلقّي العلم في مجالِسِهِ وأماكنه، فلا قيمة للإنسان بغير علمٍ يُثري فِكره ويجعله مُلمّاً بأمورِ دينه وأحكامه في جميع الأمور ..
قصة النمور الآسيوية الأربعة..
قصة واحدة من أكبر التجارب الاقتصادية الناجحة في التاريخ..
لقد قامت دولٌ من عثرتها على أعمدة العلم والتخطيط، ورصد الميزانيات الكبيرة لنهضة التعليم ؛ فكان لها الشأن الأكبر بين دول العالم، ومن هذه النماذج المبهجة اقتصاديا وعلميا ما يطلق عليه النمور الآسيوية الأربعة’ مصطلح اقتصادي أطلق على اقتصادات كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ.. شهدت اقتصادات تلك الدول في الفترة ما بين أوائل الستينيات والتسعينيات، قفزة اقتصادية وعمليات تصنيع سريعة وحققت معدلات نمو عالية بشكل استثنائي تجاوزت 7% سنويا.
مع حلول أوائل القرن الحادي والعشرين، خرجت تلك الاقتصادات من حيز الدول النامية إلى الدول المتقدمة ذات الاقتصادات عالية الدخل، وتخصصوا في مجالات تنافسية. فأصبحت هونغ كونغ وسنغافورة من المراكز المالية الرائدة في العالم، في حين أصبحت كوريا الجنوبية وتايوان من رواد تصنيع المكونات والأجهزة الإلكترونية. لذلك تعد تجربتهم الاقتصادية الناجحة بمثابة نماذج يحتذى بها للعديد من دول أشبال النمور، وهم إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند.
وتعتبر هذه البلاد من بين البلدان الأكثر ربحية والأكثر إنتاجية في العالم…
قامت البلدان الأربعة بإنشاء موانئ ومطارات، وحرصت على حصول سكانها على مستويات عالية من التعليم، فضلاً عن الاستثمار بكثافة في بنيتها التحتية، التي دمرها الاستعمار البريطاني في هونج كونج وسنغافورة، والصيني في تايوان، والأمريكي في كوريا الجنوبية.
وحاولت حكومات البلدان الأربعة استغلال كل الفرص الاستثمارية الممكنة في قطاع التصنيع، وبناء مجمعات صناعية كبرى، وتقديم حوافز ضريبية للمستثمرين الأجانب، وتنفيذ التعليم الإلزامي لسكانها الشباب، من أجل تأمين مستقبل القوى العاملة.
لاحقاً بدأت هذه البلدان بتصدير كل شيء تقريباً، بما في ذلك المنسوجات ولعب الأطفال، والمنتجات البلاستيكية، والتكنولوجيا الشخصية.
كان لدى هونج كونج بالفعل بورصة مزدهرة (تأسست في 1891)؛ لذلك كان من المنطقي أن تحاول التركيز على الخدمات المالية، وهو نفس النهج الذي اتبعته سنغافورة لاحقاً، واليوم أصبحت الدولتان الصغيرتان جداً من حيث المساحة اثنين من المراكز المالية الأكثر نفوذاً في العالم..(ويكيبيديا ،حقائق وأرقام).
بينما هناك دولٌ كاملة ولديها وفرةٌ متكاثرةٌ في المال ، ولكنها فقدت بريقها العالمي ؛ بسبب الإهمال للتعليم والانجراف نحو مجالاتٍ أخرى..
وختاماً:
إن حاجة الناس إلى العلماء وإلى علم الشريعة كحاجة الظمآن إلى الماء، والغريق إلى الهواء، خاصة في زمن اضطراب الأهواء، فما أحوجنا إلي أن نأخذ بأسباب التفوق العلمي في مختلف المجالات؛ فإننا إذا تفوقنا في أمور دنيانا احترم الناس ديننا ودنيانا، وعلى كل منا أن يسعي لأعلي درجات التفوق في مجاله عالمـًا، أو باحثـًا، أو صانعـًا، أو حرفيـًا، حتي يسهم في تقدم وطنه ورقيه، حيث يقول الحق سبحانه وتعالي ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، فإذا كان المطلوب هو أن تنفر طائفة من كل فرقة ليتفقهوا في علوم الدين، فإن علي الباقين أن ينفروا فيما ينفع البلاد والعباد، فتنفر فرقة لطلب الطب، وأخري لطلب الهندسة، وثالثة للعمل بالزراعة، ورابعة للعمل في الصناعة، وخامسة للاشتغال بالتجارة، وهكذا في سائر الفنون والحرف والصناعات..
بهذا الفهم تقدم المسلمون الأوائل في شتى العلوم والمعارف النافعة للناس فأسسوا أول مدرسة لتعليم للطب في بلاد الأندلس ، وأسسوا أول مرصد فلكي في أشبيلية، وأول من صنعوا ساعة لمقياس للزمن ..
ولمع في سماء العلم أسماء عمالقة عظام أمثال ابن سينا ، والفاربي وجابر بن حيان ،والرازي، وغيرهم ..
وتفوقوا في علوم الطب والرياضيات والهندسة والجبر والفيزياء والكيمياء ، وأسس الأوروبيون نهضتهم الحديثة على أساس من هذه العلوم ..
ما جعل علماء الغرب المنصفين يعترف بهذا الفضل ، فيقولُ: ليوبولد وايس: لسنَا نبالغُ إذ قلنَا إنّ العصرَ العلميَّ الحديثَ الذي نعيشُ فيهِ، لم يُدشّنْ في مدنِ أوربة، ولكن في المراكزِ الإسلاميةِ في دمشقٍ وبغدادٍ والقاهرةِ وقرطبة، نحن مدينونَ للمسلمينَ بكلِّ محامدِ حضارتِنَا في العلمِ والفنِّ والصناعةِ، وحسبِ المسلمينَ أنّهُم كانُوا مثالًا للكمالِ البشرِي، بينمَا كنَّا مثالًا للهمجيةِ.
هذا قليلٌ مِن كثيرٍ مِن نماذجِ العلماءِ الباحثينَ الإسلاميينَ، وكذلك شهاداتِ الغربيينَ المنصفةِ في هذا الشأنِ.(موسوعة الحضارة الإسلامية)..
اللهم حبب إلينا إلايمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين ، واللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما نَافِعًا، وَعَمَلًا صَالِحًا، اللَّهُمَّ اشْرَحْ صُدُورَنَا لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَأَعِنَّا عَلَيْهِ.. وانصر المستضعفين في كل مكان واحقن دماء المسلمين واحفظنا واحفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين ..
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى