25 يناير بين الحدث والدلالة.. قراءة مسؤولة للتاريخ.

بقلم: د. عصام قمر
القائم بعمل رئيس حزب مصر المستقبل
يثير يوم ع25 يناير من كل عام نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والمجتمعية حول دلالته ومعناه، وهو نقاش مفهوم في ضوء ما يحمله هذا اليوم من تعقيد تاريخي وتداخل بين الحدث السياسي والرمز الوطني. غير أن هذا الجدل، في تقديرنا، لا ينبغي أن يُدار بمنطق الإنكار أو التخوين، وإنما بمنطق الدولة التي تثق في نفسها وفي وعي شعبها.
لقد مثّل 25 يناير لحظة كاشفة عن وجود اختلالات حقيقية في العلاقة بين الدولة والمجتمع آنذاك، وعبّر عن مطالب مشروعة رفعتها قطاعات واسعة من المواطنين، في مقدمتها تحسين الأوضاع المعيشية، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وتطوير الأداء العام للدولة. وهذه الحقائق لا يمكن تجاوزها أو محوها من الذاكرة الوطنية، لأنها جزء من السياق الذي تشكّل فيه الوعي السياسي الحديث لجيل كامل من المصريين.
وفي المقابل، فإن ما أعقب تلك اللحظة التاريخية أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن غياب الرؤية السياسية، وضعف التنظيم، واندفاع الشعارات دون إدراك لتعقيدات الدولة، يمكن أن يفتح الباب أمام مخاطر جسيمة تهدد استقرار الوطن ومؤسساته. وهو ما يفسّر الدور الحاسم الذي اضطلعت به مؤسسات الدولة الوطنية في حماية كيان الدولة المصرية ومنع انهيارها في مرحلة إقليمية بالغة الخطورة.
ومن هذا المنطلق، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في توصيف 25 يناير بتسمية واحدة جامدة، بقدر ما يكمن في القدرة على الاعتراف بأن ما جرى كان تعبيرًا عن أزمة حقيقية، وأن تجاوز هذه الأزمة تطلّب، ولا يزال يتطلّب، دولة قوية قادرة على الإصلاح بقدر قدرتها على فرض الاستقرار.
إن الدول الراسخة لا تخشى لحظات الجدل في تاريخها، ولا ترى في تعدد القراءات ضعفًا، بل تعتبره دليلًا على النضج السياسي. كما أن الحفاظ على هيبة مؤسسات الدولة لا يتناقض مع الاعتراف بضرورة تطوير الأداء العام، بل إن هذا التطوير هو الضمان الحقيقي لاستمرار الثقة بين الدولة والمواطن.
ومن هنا، يرى حزب مصر المستقبل أن تحويل 25 يناير إلى ساحة استقطاب حاد بين “تمجيد مطلق” أو “رفض كامل” لا يخدم المصلحة الوطنية، ويُبقي المجتمع أسيرًا للماضي بدلًا من توظيف دروسه في بناء المستقبل. فالوطن لا يُدار بالشعارات، كما لا يُحمى بإنكار الأسباب التي أدت إلى الأزمات.
ختامًا، فإن الانحياز الصادق لمصر يقتضي قراءة متوازنة لتاريخها الحديث، قراءة تحترم الدولة ومؤسساتها، وتعترف في الوقت ذاته بأن الاستقرار المستدام لا يتحقق إلا بفتح مسارات سياسية رشيدة، والاستجابة المبكرة لمطالب المجتمع، في إطار الدستور والقانون، وبما يحفظ للدولة قوتها وللمواطن كرامته.




