الفجوة بين النص الدستوري والواقع التطبيقي لقانون التأمينات .

كتب : شحاتة ذكي
لقد قام القانون رقم 148 لسنة 2019 على دعامتين رئيسيتين :
الأولى إستعادة أموال أصحاب المعاشات من براثن الحكومة . والثانية هي التحصين الدستوري لتلافي عثرات الماضي .
إلا أن التطبيق العملي كشف عن فجوة سحيقة حالت دون وصول هذه الغايات إلى مستحقيها .
أولاً : الأموال ..
رغم أن الصندوق نجح حسابياً في فك الإشتباك المالي مع الخزانة العامة وبنك الاستثمار وانتظمت الأقساط السنوية بدءاً من 160,5 مليار جنيه منذ بداية تنفيذ القانون في الأول من يناير 2020 وصولاً إلى 238,5 مليار جنيه هذا العام ، إلا أن هذه المليارات ظلت “أرقاماً دائنة” حبيسة الدفاتر ولم تجد طريقها لتخفيف وطأة الحياة عن كاهل أصحاب المعاشات .
إن المادة 17 من الدستور لم تقرر خصوصية أموال التأمينات وعوائدها لتكون مجرد إحتياطيات تتراكم في الخزائن ، بل لتكون ملاذاً آمناً في “اليوم الأسود” .
غير أن الواقع كشف عن إنفصام بين النص والتطبيق العملي .
فبينما تتضخم إستثمارات الصندوق ، يواجه أصحاب المعاشات غلاءً فاحشاً إفترس قيمة معاشاتهم .
إن استعادة الأموال لم تكن غاية في ذاتها، بل هي “وسيلة” لعيش كريم ، وبقاؤها دون أثر ملموس في الأزمات يعني ضمنياً إفراغ النص الدستوري من محتواه .
ثانياً :
أما عن دعامة “المعالجة الدستورية” فقد سقط الواقع التطبيقي في فخ التمييز وعوار النصوص مرة أخرى .
وثبت ذلك في العديد من المواد نأخذ منها علي سبيل المثال لا الحصر المادة 35 التي ربطت الزيادة السنوية (بسقف جامد) متجاهلةً أعاصير التضخم التي تجاوزت 40% .
إن الإلتزام بالحد الأقصى في ظل هذا الانهيار الشرائي لم يعد “زيادة” للمعاش بل صار إنتقاصاً فعلياً من قيمته الحقيقية مما يضع النص في مواجهة مباشرة مع عدم الدستورية لعدم تناسبه مع الظرف الإقتصادي القاهر .
وأيضاً تجلى الإخلال بمبدأ المساواة في عدم ربط علاوة العاملين بمعدل التضخم دون سقف مما خلق تمييزاً غير مبرر بين فئات المجتمع الواحد المتساوون في الحقوق والواجبات مخالفة لنص المادة 53 من الدستور .
نجد أيضاً تفريقاً صارخاً آخر وذلك في إضافة نسبة معدل التضخم دون حد أقصي إلي متوسط أجر تسوية المعاش بين من هم في الخدمة وبين من غادرها . وهو ما يعد تمييزاً بين فئتين من فئات المجتمع الواحد المتساوون في الحقوق والواجبات، مما يوصم هذه الممارسات بالإنحراف التشريعي .
بالإضافة إلي بعض الأسباب القوية الأخري التي لا يتسع المجال لذكرها .
لذا فإنه قد وجب تعديل هذه المادة ليكون الحد الأقصى المنصوص عليه بها حداً أدني وليس أقصي .
إننا نضع هذه الحقائق أمام السادة نواب الشعب للإسترشاد بها عند مناقشة طلبات الإحاطة وفتح ملف المعاشات .
إن الحقوق لا تُرد بالأرقام الصماء بل بالأثر الذي تتركه في حياة الناس .
والإنصاف لا يتحقق بنصوص تزين الأوراق بل بقرارات تلمس جراح البسطاء .
لذا نأمل من مجلس النواب الإنتصار لأصحاب المعاشات وإسترداد حقوقهم المشروعة التي سلبتها جمود النصوص.




