لغة الأرقام لا تُطعم الجائع.. إستعادة “الإنتماء” تبدأ من جيب المواطن .

كتب : شحاتة ذكي
إلى السادة المسؤولين الذين يراقبون المشهد من خلف شاشات الإحصائيات وتقارير غرف الإجتماعات المغلقة : هناك فجوة تتسع يوماً بعد يوم ليست فجوة في الميزانية فحسب بل هي فجوة في الثقة والأمان والإنتماء.
تتحدث التقارير الرسمية عن إنخفاض معدلات التضخم وتراجع وتيرة زيادة الأسعار وهي أرقام قد تبدو مبشرة في أروقة البنك الدولي ، لكنها في ” لغة الشارع ” لا تعني شيئاً . فالمواطن لا يأكل “معدلات” ولا يشتري دواءه “بالمؤشرات” .
الواقع المرير يقول إن الأسعار إستقرت عند قمة شاهقة لا تطالها الأيدي بينما ظلت الدخول ثابتة مكانها في القاع .
المواطن البسيط، الموظف، العامل، وصاحب المعاش، لا يهمه إن كان التضخم قد انخفض من 40% إلى 25% أو أقل ، ما يهمه فعلياً هو “القدرة الشرائية” ما تبقى في جيبه بعد الأسبوع الأول من الشهر .
إنخفاض معدل التضخم يعني أن الأسعار تزيد ببطء لكنها لا تنخفض . فإذا زادت السلعة العام الماضي بنسبة كبيرة فإن إستقرارها اليوم على سعرها المرتفع يظل عبئاً لا يحتمله الدخل الثابت .
إن السياسات التي تركز على “الأرقام الكلية” وتتجاهل الأثر الفعلي على الأسرة هي سياسات تفتقر للحس الإجتماعي . المواطن الآن يشعر أنه يواجه الحياة وحيداً ، يشعر أن الحكومة تدير “أرقاماً” ولا تدير “شعباً”.
إهتزاز شعور المواطن بالإنتماء ليس كفراً بالوطن ، بل شعوراً بالخذلان من إدارة لا تضع معاناته اليومية في الحسبان .
الإنتماء لا يُستعاد بالأغاني الوطنية أو الوعود المستقبلية بل يُستعاد عندما يشعر المواطن أن وطنه يحميه من غول الفقر ويقدر كده وعرقه .
لابد من تحريك الأجور والمعاشات بما يتناسب مع الأسعار الحالية (وليس أسعار ما قبل الأزمة) .
مع الرقابة الصارمة للأسعار والتوقف عن تقديم الحجج الواهية للقطاع الخاص المحتكر الذي يرفع الأسعار ولا يخفضها أبداً .
هذا المطلب الآن ليس رفاهية بل هو “ضرورة أمن قومي” .
فالمواطن الذي يعجز عن توفير أساسيات الحياة لأبنائه يفقد تدريجياً قدرته على العطاء والإنتماء . إستعيدوا المواطن قبل أن تفتخروا بإستعادة الإقتصاد .
فالإقتصاد الذي لا يحسن حياة البشر هو مجرد “حبر على ورق”.




