مقالات

أزمة ضريبة المحمول .. صناعة حكومية .

بقلم: د. عصام قمر
القائم بعمل رئيس حزب مصر المستقبل

في الأيام الأخيرة، فوجئ ملايين المصريين بقرار حكومي جديد يفرض رسوماً وضرائب على الهواتف المحمولة القادمة من الخارج، وهو ما عُرف إعلاميًا باسم “ضريبة المحمول”. القرار أُعلن على أنه يهدف إلى تنظيم السوق ومكافحة التهريب، لكن ما حدث على أرض الواقع كشف عن أزمة أكبر في طريقة التفكير والإدارة، وجعل المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة.
ما القصة ببساطة؟
الدولة قررت أن أي هاتف محمول لم يتم تسجيله في منظومة رسمية جديدة، وتم إدخاله من الخارج بعد تاريخ محدد، سيتم فرض رسوم عليه. وإذا لم تُدفع هذه الرسوم خلال مهلة قصيرة، يتم تعطيل الهاتف عن العمل على شبكات المحمول داخل مصر.
الكلام يبدو منظمًا على الورق، لكن التطبيق العملي كشف أن القرار لم يفرّق بين تاجر يهرّب عشرات الهواتف لتحقيق الربح، ومواطن عادي يمتلك هاتفًا واحدًا للاستخدام الشخصي.
لماذا غضب الناس؟
الغضب لم يأتِ من فراغ، بل لأسباب واضحة وبسيطة:
الهاتف لم يعد رفاهية
الهاتف المحمول اليوم هو وسيلة عمل، ودراسة، وتواصل مع الأسرة، وخدمات حكومية وبنكية. تعطيله أو فرض أعباء مالية إضافية عليه يعني المساس بحياة الناس اليومية.
رسوم مرتفعة في توقيت صعب
المواطن يعاني أصلًا من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. ثم يُفاجأ برسوم قد تصل إلى آلاف الجنيهات على جهاز اشتراه بماله، دون إنذار كافٍ أو شرح مسبق.
غياب الشرح والتواصل
لم تفهم الناس في البداية:
هل القرار بأثر رجعي أم لا؟
من المعفي ومن غير المعفي؟
كم سيدفع المواطن بالضبط؟
هذا الغموض خلق حالة من القلق والفوضى، وكأن المواطن مطلوب منه أن يفهم القرار وحده ويتحمل نتيجته وحده.
أين المشكلة الحقيقية؟
المشكلة ليست في حق الدولة في تنظيم السوق أو تحصيل الضرائب، فهذا أمر مفهوم في أي دولة.
المشكلة في طريقة التفكير:
أسهل حل هو تحميل المواطن التكلفة
أسهل إجراء هو التعميم
وأسرع تنفيذ هو التعطيل والمنع
بدلًا من ملاحقة شبكات التهريب الكبيرة، تم اللجوء إلى معاقبة المستخدم النهائي، وهو الطرف الأضعف.
التكنولوجيا… في الاتجاه الخطأ
قُدِّمت المنظومة الإلكترونية وتطبيق تسجيل الهواتف على أنها إنجاز رقمي. لكن الحقيقة أن التكنولوجيا استُخدمت هنا كأداة ضغط لا كوسيلة خدمة.
إما أن تدفع، أو يُقطع اتصالك.
وهذا عكس المفهوم الحقيقي للتحول الرقمي الذي يجب أن يسهّل حياة المواطن، لا يعقّدها.
أين الحوار المجتمعي؟
لم نرَ حوارًا حقيقيًا قبل القرار، ولا نقاشًا واسعًا في البرلمان أو الإعلام إلا بعد انفجار الغضب.
السياسات العامة لا تُدار برد الفعل، ولا تُفرض على الناس ثم يُطلب منهم “التفهم”.
الخلاصة
ما حدث ليس مجرد ضريبة، بل طريقة إدارة:
قرار مفاجئ
تنفيذ قاسٍ
تواصل ضعيف
ومواطن يدفع الثمن
إذا كانت الدولة تريد مكافحة التهريب، فلتواجه المهربين.
وإذا كانت تحتاج موارد، فلتصارح الناس وتبحث عن حلول عادلة.
أما تحميل المواطن البسيط عبء كل أزمة تحت مسميات براقة، فلن يؤدي إلا إلى فقدان الثقة وزيادة الغضب.
الدولة لا يجب أن تُربك مواطنيها، والسياسة العادلة لا تبدأ من جيب المواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى