من المسؤول إلى الوطن: رسالة السيسي في فلسفة الحكم والمحاسبة»

بقلم / هيثم االمسلمي
لم تكن كلمة عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية عيد الشرطة مجرد خطاب تهنئة تقليدي، بل جاءت محمّلة برؤية سياسية وفلسفة حكم، تعكس إدراكًا عميقًا لتعقيدات بناء الدول في مراحل التحول التاريخي، وتوجّه رسائل واضحة للمجتمع والمسؤولين على حد سواء.
أولًا: فلسفة بناء الدولة… الزمن كعامل حاسم
أكد الرئيس أن الانتقال من التراجع إلى التقدم ليس قرارًا لحظيًا ولا نتيجة إجراءات سريعة، بل هو مسار طويل يتطلب سنوات من العمل المتواصل والإرادة الصلبة. هذه الرؤية تضع حدًا لثقافة “النتائج السريعة”، وتؤسس لفهم واقعي لطبيعة التنمية، باعتبارها عملية تراكمية لا تُقاس بالشعارات، بل بالاستدامة.
فالرسالة هنا ليست تبريرًا للبطء، بل تأكيد على أن البناء الحقيقي لا يحتمل القفز على المراحل، وأن الدول التي نجحت لم تفعل ذلك عبر الاندفاع، وإنما عبر الصبر والانضباط المؤسسي.
ثانيًا: الأخذ بالأسباب… تفكيك منطق التمنّي
في واحدة من أكثر العبارات دلالة، شدد الرئيس على أن سنن الكون لا تحابي أحدًا، وأن النجاح في الدنيا مرتبط بالأخذ بالأسباب والعمل الجاد، لا بمجرد النوايا أو الادعاءات الأخلاقية.
هذه الرسالة تحمل بعدًا سياسيًا وفكريًا مهمًا، إذ تُعيد تعريف مفهوم الشرعية والنجاح، وتفصل بين الإيمان كقيمة روحية، والعمل كقانون كوني. فالدولة الحديثة، كما يطرح الخطاب، لا تُدار بالخطاب العاطفي، بل بالكفاءة والإنتاج والانضباط.
ثالثًا: المسؤولية والمحاسبة… الدولة فوق الجميع
الحديث عن المسؤولية لم يكن توجيهًا وعظيًا بقدر ما كان إعلانًا لمبدأ حاكم: كل مسؤول، مهما كان موقعه، محاسب أمام الله والوطن عن كل صغيرة وكبيرة. وضرب الرئيس مثالًا بوزير الداخلية، في إشارة ذكية إلى أن القيادة لا تنفصل عن تصرفات الصفوف الأدنى.
في هذا السياق، تتضح رسالة باطنية مفادها أن الدولة لا تحمي الخطأ، وأن المنصب ليس حصانة، بل عبء ومسؤولية. وهو طرح يعكس انتقالًا من منطق “الشخص” إلى منطق “المؤسسة”.
رابعًا: تمكين الشباب… قراءة للمستقبل لا مجاملة
التأكيد على إعداد وتأهيل كوادر شابة لا يأتي من باب المجاملة أو الخطاب الدعائي، بل باعتباره ضرورة استراتيجية. فالدولة التي لا تُجدد دماءها محكوم عليها بالجمود، والشباب – في هذا السياق – ليسوا بديلًا عشوائيًا، بل قاطرة مدروسة للمستقبل، تُعدّ بالتدريب لا بالشعارات.
خامسًا: تقدير الشرطة… الأمن كشرط للوجود
إشادة الرئيس بدور هيئة الشرطة جاءت في إطار أوسع من التهنئة، حيث ربط الأمن ببقاء الدولة نفسها. فالأمن هنا ليس مجرد وظيفة، بل شرط أساسي للاستقرار والتنمية، ورسالة دعم معنوي في ظل تحديات داخلية وإقليمية معقدة.
خاتمة: تحيا مصر… شعار بمعنى الدولة
الهتاف الختامي «تحيا مصر» لم يكن مجرد خاتمة عاطفية، بل خلاصة فلسفية للخطاب كله. فمصر، في هذا التصور، هي الثابت الذي يعلو فوق الأفراد والمواقع، وهي الغاية التي تُربط بها المسؤولية، والعمل، والصبر.
خلاصة القول
تعكس كلمة الرئيس رؤية دولة تُبنى بالعقل قبل العاطفة، وبالعمل قبل الشعارات، وتُدار بمنظومة لا بأشخاص. إنها رسالة مفادها أن طريق التقدم طويل، لكنه واضح:
عمل جاد، محاسبة صارمة، إعداد للمستقبل، وصبر وطني واعٍ.
✍️ هيثم المسلمي




