مقالات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي  يتحدث عن التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي المعاصر

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي  يتحدث عن التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي المعاصر
بقلم \  المفكر العربى الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أن النظر في حجم التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي المعاصر يهدي إلى أن السعي إلى التعامل معها محكوم بأن يتخذ نسقا علميا يرتب الأولويات، ويعيد اكتشاف الآليات المساعدة على حسن الفهم والقراءة والتحليل•
وغير خاف أن معظم التحديات إنما تؤول إلى قضية الفهم والاستيعاب، وبما أن العقل الإسلامي محكوم بمبدأ الصدور عن هدايات القرآن والاسترشاد بموازينه، فإن الأصل في التعامل مع التحديات المختلفة أن يصار إلى تجديد الفهم لنصوص القرآن، وتمكين الإنسان المعاصر من إدراك الأبعاد الهدائية والمقاصدية للخطاب القرآني في النفس والمجتمع والعلاقات الإنسانية•
إن قضية الفهم تتخذ موقع المركز في دائرة الفكر الإسلامي المعاصر، ومن شأن الوقوف على الفهم السليم لهدايات القرآن ومقاصده، أن يسهم في الوعي بالتحديات ومجابهة الأزمات، ويقدم السند العلمي والفكري لحتمية الانتهاء من مختلف القراءات والمفاهيم التي تعاملت مع الخطاب القرآني تعاملا غير منضبط للقواعد المنهجية والعلمية المعتبرة•
ولن يتحقق ذلك في طابعه العلمي والمنهجي إلا بالعودة إلى كتاب الله وتدبره، وإعادة تقويم مختلف العلوم المرتبطة به، وخاصة علوم القرآن• وهذا يقتضي عملا مؤسسيا يشترك فيه ثلة من علماء الأمة المختصين في حقل التفسير والدراسات القرآنية بغية إنجاز موسوعة تفسيرية تكون أداة حاكمة في معترك التجاذبات الفكرية المعاصرة•
> الاعتبارات الداعية إلى مشروع موسوعة التفسير:
وتنبع أهمية هذا المشروع من الاعتبارات الآتية:
– التفسير هو النقطة التي تتركز فيها مختلف العلوم الإسلامية والإنسانية، منه تنطلق، وإليه تعود في الاستدلال والاحتجاج، ومن ثم، يتعين صياغة تفسير يكون هاديا للمشتغلين بالعلوم الإسلامية والإنسانية من المسلمين وغيرهم على حد سواء•
– تطغى على كتب التفسير ظواهر عديدة، منها:
> تشعب الخلاف في دلالة الآية الواحدة•
> تسرب الإسرائيليات إلى كتب التفسير•
> طغيان تفاسير لايدعمها سياق الكلام ومقاصد القرآن في التربية والعمران•
> عزل الآية، موضوع التفسير، عن سياقها النصي القريب والبعيد، وعزلها عن السياق النصي في وحدة السورة، وعزلها عن السياق المقاصدي لخطاب القرآن في التربية والعمران•
> تأثر بعض التفاسير بالبيئة التاريخية التي كان عليها المسلمون، والدليل على ذلك آيات الجهاد والقتال التي تم تفسيرها على ضوء الواقع السياسي والدولي القديم، حيث كان العالم يعرف دارين،دار الإسلام ودار الحرب، مع أن ذلك التقسيم تاريخي تأثر به الفقه واقعيا، وليس هو تقسيما شرعيا يحتكم إليه•
> وجود تفاسير مخلة بنتائج العلم المعتبرة، إذ أن النتائج العلمية في مجالات الفيزياء والفلك تضعفها وترجح غيرها•
> طغيان النزوع النحوي والكلامي والخلاف الفقهي والقرائي في بعض التفاسير مما لايعود بفائدة مرجوة على القارئ الذي صارت له إشكالات جديدة، وتحكمت في محيطه قضايا معاصرة•
> تجزيئ دلالات الخطاب وفصل بعضها عن بعض في بعض التفاسير يغيب الوحدة الفكرية والمقاصدية لصالح التلقي الحرفي الظاهري•
> غياب المداخل المقاصدية في عملية التفسير لدى أغلب المفسرين، فمن المؤكد أن الخطاب القرآني يهدي إلى مقاصد، من مثل مقصد العدل والحرية الاعتقادية والمساواة الإنسانية، ونفي الإكراه في الدين، وإعمار الأرض،•• وعلى المفسر أن ينطلق من هذه المقاصد، وإذا بدا له أن قولا ما يتعارض مع هذه المقاصد، فليعلم بأن المقصد هو الحاكم، وليس أقوال فلان أو فلان، إذ لايجوز ان يطالب القرآن الناس بقيمة من القيم المذكورة، ثم يأمرهم، في أي سياق، بتجاوزها او خرقها، فإذا كان القرآن يقصد إلى نفي الإكراه في الدين، مثلا، فلن تجد في آياته الأخرى أمرا بقصر الناس على الدين وإرغامهم على القبول به بالقوة أو التهديد•
– إذا كان المفسر، عبر التاريخ، قد ولج عالم القرآن مستحضرا التحديات والظروف الاجتماعية والسياسية التي عاصرها، فإن للمرء أن يتساءل اليوم: أليس من حق المسلمين وعموم الإنسانية، في ظل التحولات الخطيرة على المستوى القيمي والفكري والسلوكي والاجتماعي والسياسي، وفي سياق متوتر بسبب الحملة المنهجية ضد القرآن وتعاليمه، ممثلة بنعته بالدموية والتطرف والإرهاب وعدم القبول بالآخر، أليس من حق هؤلاء وهؤلاء أن يكون بين أيديهم تفسير للقرآن الكريم، يجيبهم، من خلال تدبر آيات الخطاب، بالقول السليم في تلك الإشكالات والأزمات والمنظورات؟
– يميل العالم المعاصر جهة اعتماد النوعية بدل الكمية، والتركيز والإيجاز بدل الإطناب والاستطراد، ومن حق هذا العالم أن ينجز له تفسير ينأى به عن الإطالة غير المفيدة، ويسمو به عن الانكفاء على إحياء الخلافات المذهبية والعقائدية، والالتذاذ بالخلافات النحوية والقرائية، ويمكنه، بالمقابل، من تمثل أسرار الخطاب القرآني في بناء الإنسان الكوني، إن صح التعبير، مقدمة لبناء العمران الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والبيئي في نسقية منسجمة ومتكاملة يدفع بعضها بعضا في اتجاه الصلاح والنماء، والحيلولة دون الانهيار الذي يتهدد البشرية على جميع المستويات•
> غايات موسوعة التفسير وأهدافها:
– الإسهام في تجديد الخطاب التفسيري وإغنائه من خلال الرؤية الوسطية
– إنجاز موسوعة في التفسير تحتكم إلى المقاصد العمرانية الكبرى في القرآن•
– إنجاز موسوعة شاملة لمختلف قضايا التفسير وعلوم القرآن ومناهج التعامل مع الخطاب القرآني لدى المسلمين والمستشرقين•
– إنجاز تفسير معتمد على الأقاويل الراجحة، استنادا إلى قواعد التفسير المعتبرة•
– إنجاز تفسير يحسم في الإشكالات المنهجية والتوثيقية لقول الصحابي وعلاقته بالتفسير النبوي•
– إنجاز تفسير مرتكز على دراسة تحقيقية علمية لمختلف المرويات في أسباب النزول وفضائل القرآن•
> إضاءات منهجية في مشروع الموسوعة:
موسوعة التفسير مشروع علمي منهجي، والقول بالعلمية والمنهجية هو قول بالدقة في الفهم وإحكام القواعد المنهجية المعتمدة في علوم القرآن، باعتبارها شروطا لازمة لتقديم إضافة نوعية في حقل التفسير•
وبغية إبراز ملامح المشروع وطبيعته وشكله، فإن الأمر يستدعي إيراد إضاءات منهجية، علما بأن جهود الباحثين والعلماء قادرة على أن تقدم إضاءات نوعية تخدم المشروع في منهجه الموضوعي وبنائه العلمي•
1- الاحتكام إلى القواعد المنهجية في الترجيح، والاقتصار على الراجح من الأقوال التفسيرية تجنبا لإثقال كاهل التفسير برصد الأقاويل المرجوحة التي لايخدمها سياق الكلام، ولاتستجيب لمقاصد القرآن•
2- الصياغة الدقيقة والمقتصدة للأقاويل الراجحة، والآراء المعتبرة في مختلف قضايا التفسير وعلوم القرآن•
3- ربط تفسير الآية بمقاصد القرآن في بناء الإنسان والعمران، واستثمارها في:
> نقد المفاهيم الخاطئة لدى المسلمين والغرب على حد سواء•
> تنوير العقل المسلم المعاصر ومده بأسباب القوة الذاتية في القرآن ممثلة في خطاب العقل والروح والذوق، واحترام الحرية الإنسانية، والدعوة إلى حوار حضاري بناء•
> إعادة اكتشاف الأبعاد الهدائية في الخطاب القرآني، والتنصيص على أن واجب الأمة الإسلامية، أفرادا وجماعات ودعاة ومؤسسات ودولا، إنما ينحصر في خطاب الهداية والبلاغ المبين للعالمين، فلم يتعبد الله المسلمين بقيادة البشرية إلزاما وقصرا، وإنما أوجب عليهم البلاغ الموصوف بالبيان والعدل والإحسان والرفق و حب الخير للإنسانية جمعاء•
> إيلاء مقاصد القرآن في الاجتماع الإنساني أولوية خاصة، وليس ذلك راجعا إلى نقد المفاهيم التي يتلبس بها النزوع التطرفي الظاهر هنا وهناك في عالم المسلمين، وإنما باعتبار ذلك أصلا ومقصدا في خطاب الوحي، ويتم هذا الاهتمام عبر الالتفات إلى العناصر الآتية:
أ – الأصل في العلاقات الإنسانية هو السلم والتجاور والتعاون•
ب – إثبات محكمية الآيات الآمرة بالحسنى والسلم والجوار الحضاري•
ت – توسيع مفهوم التدافع في القرآن ليشمل التدافع الاقتصادي والحضاري المفضي إلى تنافسية إنسانية صالحة للبشرية حالا واستقبالا•
ث – نقد مقولة نسخ آية السيف لآية >لا إكراه في الدين< أصوليا ومقاصديا•
ج – انتهاج أسلوب النقد العلمي الهادئ تجاه المعتقدات اليهودية والمسيحية التي يشير إليها الخطاب القرآني•
د- الاحتفاء بالبعد الجمالي في الخطاب القرآني مقدمة لتأصيل روح الإحساس الجمالي تمثلا وإبداعا في الحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين وللإنسانية جمعاء•
> الالتفات إلى ضرورة إدماج الجهود المتوصل إليها في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن ضمن عناصر العملية التفسيرية، مع ملاحظة الآتي:
أ – التركيز والاقتصاد واعتماد لغة ذوقية تتناسب مع جو التفسير•
ب – تأكيد استغناء القرآن، طبيعة ودلالة، عن إثبات إعجازه بالنتائج العلمية، لولا أن السياق المعرفي العالمي، وتشعب المنازع التكوينية للمتلقي، مسلما وغير مسلم، يقتضي الالتفات إلى هذا الجانب من باب الاستئناس، وليس من باب الافتتان بنتائج العلم•
ت – الإشارة إلى حاكمية الخطاب القرآني للنتائج العلمية•
> الالتفات إلى أسرار الخطاب القرآني، وذلك باتباع الآتي:
– تجميع الملاحظ الذوقية والنكت المعنية والأسرار التي تكشفت للمفسرين عبر تاريخ التفسير•
– صياغتها في بيان ذوقي مؤثر، باعتبارها من العناصر المساعدة على اتصاف المسلم وغيره بخلق التدبر المأمور به في القرآن أربع مرات، والموجه إلى كل من المسلم والكافر والمنافق وغيرهم من أصناف التجمع العقائدي الإنساني•
4- فتح نوافذ داخل الصفحة لاستثمارها في مسائل من مثل:
ا- بيان تاريخية الآية في سلمية التنزيل•
ب- بيان وضع الآية في سلمية الناسخ والمنسوخ•
ت- تأكيد ضعف الحديث أو موضوعيته فيما له تعلق بالإسرائيليات والروايات المخالفة للنص والعقل والعادة•
ج- بيان حالة الأحاديث المروية في فضائل سور القرآن في سلمية الصحة والضعف•
د- ممارسة النقد المنهجي الحديثي، رواية ومتنا، في حق المرويات الضعيفة المتصلة بأسباب النزول•
وخلاصة القول،يمكن الإشارة إلى أن الاعتبارات الحاكمة لمشروع موسوعة التفسير والغايات الكامنة خلفه تتوخى إنجاز موسوعة تفسيريــة تتصف بالخصائص الآتية:
– الترجيحية: وذلك بأن يقتصر على الأقوال الراجحة في تفسير الآيات، والتي يدعمها سياق الكلام وسياق السورة وسياق مقاصد القرآن•
– المقاصدية: وذلك بتوجيه التفسير في مسار استنباط المقاصد الإنسانية الكبرى في القرآن، وجعلها عناصر مائزة في عملية التفسير، تجلية لجوهر الإسلام الذي هو رحمة للعالمين، وليس رحمة لفئة أو عرق أو قبيلة أو أمة، الإسلام الذي نزل على النبي الأمي الذي كانت غايته منحصرة في خدمة الحق ورحمة الخلق•
– الذوقيـة: وذلك ببيان أسرار الوحي في النفس والآفاق، وفي التربية والعمران، وفي الأسلوب والعرض والبيان، لأن القرآن أبى إلا أن يتلبس بتلك الذوقية لأجل أن يرتفع الإنسان إلى مقام التلقي عن الله وإدراك أسرار خطابه الحكيم بيانا وهداية وتشريعا، ولكي تصير الجمالية صفة محورية في حياة المسلم، حتى أنه يجوز أن يعرف الإنسان المسلم بأنه كائن جمالي•
– العالمية: وذلك بالارتفاع عن النظر القاصر الذي ينطلق من تأثير نفسي مفاده أن المسلمين هم المخاطبون بالقرآن، واستحضار الحقيقة القرآنية في أن القرآن بيان للناس أجمعين، ولايتصور بيان إن لم تنشأ قواعد منهجية في فهم الخطاب القرآني باعتباره خطابا يشرك الآخر، الذي ليس مسلما، في عملية التلقي، ويشركه في عملية المعالجة، وينشئ فيه الإحساس بأن في القرآن ما ينقذ الإنسانية ويخرجها من ظلمات العنف والاستبداد والجور في حق الطبيعة والإنسان والقيم إلى نور السلم والإنصاف والعدل في حق الطبيعة والإنسان والقيم على حد سواء•
ويطمئنه إلى أن القرآن جاء لرعاية حضارته وإنجازاته، والسمو بأعرافه الإيجابية وتهذيب أعرافه السلبية، ولم يأت ليجعل من حضارته قاعا صفصفا، كما تتوهمه بعض الطروحات والفتاوى هنا وهناك في واقع المسلمين، كما لم ينزل شريعته لكي يكون الناس في العالم على درجة واحدة من الورع والتقوى، وإنما يكتفى بالاستجابة إلى عقيدة التوحيد وامتثال الأوامر والنواهي لتنفتح أمام الناس، كل الناس، مدارج الترقي في الورع والتقوى، ولكن ليس بمنطق الترقي عن الحياة،ولكن بمنطق الترقي بالحياة وفنونها وجمالياتها• وفرق كبير بين هذا وذاك•
والأمر محتاج إلى ضبط للقواعد وتحديد للمبادئ، وتلك مهمة من مهمات مشروع موسوعة التفسير•
ورغبة في أن يرى مشروع موسوعة التفسير النور في شكله المنهجي والمؤسسي، تم وضع هذا التصور المبدئي بين يدي هيئة استراتيجية الشأن الفكري والثقافي والأدبي بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت،للنظر فيه وتهييئ البيئة العلمية المؤسسية لإنجاحه• والله الموفق للفلاح•

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى