مقالات

هل التعليم في مصر مالوش أهل يسألوا عليه ؟!

بقلم : أ.د. عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية
والرئيس الأسبق للهيئة العامة لتعليم الكبار .

يبدو السؤال صادمًا للوهلة الأولى، بل ومستفزًا: هل التعليم في مصر مالوش أهل يسألوا عليه؟ لكن الصدمة هنا ليست في السؤال، وإنما في كونه يتردد على ألسنة الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين على السواء، وكأنه توصيف لواقع يشعر به كثيرون..المقال لا يهدف إلى جلد الذات ولا إلى التهوين من أي جهود إصلاحية، بل يسعى إلى قراءة موضوعية في أزمة التعليم المصري: هل هي أزمة موارد؟ أم إدارة؟ أم رؤية؟ أم غياب مساءلة مجتمعية حقيقية؟
أولًا: التعليم بين النص الدستوري والواقع العملي..ينص الدستور المصري بوضوح على أن التعليم حق لكل مواطن، وأن الدولة تلتزم بجودته وتوفيره وفقًا لمعايير عالمية..نظريًا، هذا التزام لا لبس فيه..لكن عمليًا، الفجوة بين النص والتطبيق واسعة ،كثافة الفصول، تفاوت مستوى المدارس، الاعتماد شبه الكامل على الدروس الخصوصية، وضعف تأهيل بعض المعلمين ،كلها مؤشرات تطرح سؤالًا مشروعًا: أين الخلل؟
المشكلة ليست في الاعتراف بأهمية التعليم، فالجميع يُقِر بها، وإنما في تحويل هذا الاعتراف إلى سياسات مستدامة تُقَاس نتائجها بوضوح.
ثانيًا: الطالب خارج المعادلة..أحد أخطر مظاهر الأزمة أن الطالب غالبًا ما يكون الطرف الأضعف في منظومة يفترض أنها وُجِدَت من أجله. المناهج تُغيَّر دون إشراك فعلي للطلاب أو المعلمين، وطرق التقييم تركز على الحفظ أكثر من الفهم، والضغط النفسي يتزايد مع امتحانات مصيرية لا تقيس بالضرورة المهارات الحقيقية.
عندما يشعر الطالب أن المدرسة لا تضيف إلى قدراته، وأن النجاح مرتبط بالدروس الخصوصية، فهذه ليست مشكلة طالب كسول، بل منظومة فقدت بوصلتها.
ثالثًا: المعلم بين الرسالة والإنهاك..لا يمكن الحديث عن تعليم جيد دون معلم مُمكَّن ومُقدَّر. المعلم في مصر يحمل عبئًا كبيرًا: دخل محدود، تدريب غير كافٍ في كثير من الأحيان، ونظرة اجتماعية متناقضة تطالبه بالمثالية دون توفير أدواتها. في هذا السياق، تتحول “رسالة التعليم” إلى معركة بقاء.
غياب الاستثمار الحقيقي في المعلم—ماديًا ومهنيًا—يجعل أي إصلاح شكليًا، لأن المعلم هو الوسيط الأساسي بين المنهج والطالب.
رابعًا: الإدارة والمساءلة..السؤال المحوري ليس: هل هناك محاولات إصلاح؟ بل: هل هناك تقييم شفاف لنتائجها؟ كثرة المبادرات وتغير السياسات دون نشر بيانات واضحة عن الأثر الحقيقي يضعف الثقة العامة. الإصلاح التعليمي لا يُقاس بالشعارات ولا بعدد القرارات، بل بتحسن ملموس في نواتج التعلم، وتقليص الفجوات، وتعزيز العدالة التعليمية.
غياب المساءلة المجتمعية—من برلمان، وإعلام متخصص، ونقابات، ومجتمع مدني—يجعل التعليم ملفًا يُدار من أعلى، بينما تأثيره يمس كل بيت.
خامسًا: هل “مالوش أهل” فعلًا؟
الحقيقة أن التعليم في مصر له أهل، لكن أصواتهم غالبًا مشتتة أو مُنهكة. أولياء الأمور يشتكون لكنهم يتأقلمون، المعلمون يعترضون لكنهم محاصرون، والطلاب يتألمون لكنهم لا يُسألون. ما ينقص هو إطار جامع للمساءلة والمشاركة: رؤية وطنية طويلة المدى، مستقرة، تشاركية، تقبل النقد وتُخضع نفسها للتقييم.
خاتمة:
السؤال في عنوان المقال ليس اتهامًا بقدر ما هو جرس إنذار. التعليم في مصر لا يحتاج فقط إلى ميزانيات أكبر أو مناهج أحدث، بل إلى عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف الهدف: تعليم يُنمي العقل، لا يُرهقه؛ يُعِد للمستقبل، لا لامتحان؛ ويعامل الطالب والمعلم باعتبارهما شركاء لا أدوات.
حينها فقط، لن يسأل أحد إن كان التعليم “مالوش أهل”، لأن الجميع سيكون مسؤولًا عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى