ماذا لو كنت وزيرة للإنسانية

كتب : نجوى حجازي
كنت أتصفح إحدى وسائل التواصل الإجتماعي حتى وقع بين يدي مشهد لأسرة مصرية قد طلبت طعاماً من إحدى مطاعم الضيوف الشهيره ،ورب الأسرة يفتح الطعام ويصفه وهو شديد الاستياء من رائحة الطعام التي وصفها (بالزفرة) على حد قوله ، وإن كان علق على وصفه ذلك وقال قبلت بهذا الأمر لولا ما وجدته في علبة الصوص المصاحبة للوجبة ، وفتح العلبة ليخرج منها وزغاً وبمعنى آخر (برصاً) ، ولم تتوقف المهزلة عند هذا الحد ، بل شرح بقية المأساة بأنه عجز عن أن يأخذ حقه من المحل من خلال التواصل بالهاتف ، وكأن هذا الأمر مفروغاً منه وبالعامية استطيع أن أقول ( كُل وأنت ساكت ) .
هذا المشهد استوقفني كثيراً جداً ، وجعلني أفكر في الإنسانية الضائعة في بلادي للأسف الشديد ، والتي ما ضيعها سوى أهل بلدي وبعض المسئولين فيها ، ولذا أخذني خيالي إذا كنت مسئولة ماذا أفعل ؟!!
للأسف الشديد إن ما نراه من تجاوزات الجاليات المتعددة في مصر في حقوق المصريين ماهو إلا صنع المصريين أنفسهم ، فتجد أصحاب هذه المحال قد افترشوا الشوارع طولاً وعرضاً فلا حُرمة لمارٍ أو لعجوز أو رفقاً بأصحاب السيارات كي يمروا في أوقات الذروة المختلفة ، وهذا بالطبع عائد لأنه لا وجود للبلدية أو الحي أو الإزالة ولن اتطرق إلى المرتشين كي لا أحمل ذنباً عن أحد الشرفاء فاجعلوني اسميها غياباً ، وبالطبع الصحة أغلقت أبوابها وأغمضت عينيها وأصمت أذنيها عن شكاوى المواطنين من فساد الأطعمة وانتشار الوجبات المحملة بشتى أنواع الحشرات والفئران وخلافه ، ولذا أعود إليكم بأن هؤلاء جميعاً لا يستحقون سوى أن يُطبق عليهم قانوناً للطوارئ ، فكل صاحب محل خالف قانون سلامة الغذاء أو اشغال الشارع تُغلق محلاته ويدفع غرامة لا تقل عن عشرة ملايين من الجنيهات ، وتسحب رخص مزاولته ، وأما المسئول المباشر عنه من الحي أو الصحة فيُسجن ويُفصل من عمله .
وربما قد يرى البعض أن تلك الأحكام خالية من الإنسانية التي أنادي بها ، وأنا أجيبكم بمثال بسيط وربما يستفز البعض منكم ولكنه للأسف حقيقة وواقع ، هل تعرف عزيزي القارئ أن عدوك الأول وعدو دينك لا يغش طعامه ، ويذبح على الطريقة الشرعية ، وعندما سألوه عن عدم غشه للطعام وعدم خنقه للحيوانات كما يفعل الغرب ، أجاب بأنه إذا غش الطعام الذي يصنعه فإنه يغش نفسه وسيعود عليه ذلك وعلى أسرته بالسلب كالمرض الذي يجعله ينفق المال من أجل العلاج ، ويضطر للذهاب للطبيب وبناء العديد من المشافي، وربما ينفق ماله من أجل علاج أمراض كان غشه في الطعام هو السبب فيها .
للأسف نحن نغش طعامنا ، ونضع فيه بأيدينا المواد المسرطنه ، ونصنعه أحياناً تحت السلم ، ونشتري لأولادنا من مطاعم نعلم سلفاً أنها صاحبة وجبات وأطعمة مغشوشه ، وفي النهاية نجد أخطر الأمراض تحيط بنا وبأبنائنا ، ويأتي الغشاشون للتبرع بجزء من زكاة أموالهم لبناء المزيد من المشافي لعلاج الأمراض التي تسببوا فيها ، فألا ترون معي أنّ تطبيق قانون رادع وحاسم سيحمي الملايين من شر هؤلاء الذين انعدمت ضمائرهم وماتت الإنسانية بداخلهم .
كما أرى أن من الإنسانية أن نربي الأجيال القادمة بشكل أفضل وأرقى ، وأن التعليم لابد أن يتدخل في هذا الأمر لأنه على ما يبدو أن الأجيال الحالية قد فاتها الكثير من المبادئ التربوية، فخرجت لنا أجيال لا تعرف شيئاً من الأدب سواء على مستوى الرد على الكبير واحترامه ، أو حتى على مستوى احترام الأهل والبيت الذي جاءت منه ، فخرج لنا جيل لا يعرف سوى المادة في المظهر والتقليد الأعمى لكل ماهو ردئ مبتذل .
ولذا فلابد أن يتعلم الصغار في المراحل الأولى حتى الصف الثاني الابتدائي فنون التعامل فقط مع بعض حروف اللغه والمعلومات العامة ، كيف يقف في الصف ، كيف يتحدث ، كيف ينظف مكانه ، كيف يكون منظماً ، كيف يطيع والديه وكيف يكون مسئولاً ، فلا داعي أن يقضي الصغير نهاره كله في المدرسة ويخرج خاوياً كارهاً نفسه مكتئباً من الواجبات والمذاكرة التي تنتظره ، اجعلوه يلعب لعبة النظام والنظافه وطريقة تناول الطعام ، كيف ينسق الألوان ، كيف يتعامل مع المواقف المختلفة ، وفنون الرد ولباقة الحديث ، وأهمية القراءة من خلال فنون الحكاية ،لأن شخصية الطفل تتكون في تلك السن الصغيرة ، فإذا فقد شخصيته في المدرسة ولم يلتفت لها أبويه في المنزل فمن سيكون هذا الطفل مستقبلاً!!!!
وأما عن ظاهرة جديدة لا أعلم من أين جاءت؟!!! فهي بالفعل دخيلة علينا وعلى المجتمع المصري كله ، فقد تربينا على حفظ النعمة وحفظ مشاعر الآخرين ، ومهما كانت بيوتنا خاوية أو مملوءة لا يرانا الآخر إلا والعزة والكرامة تملؤنا ، أما أن أجد بعض سيدات التواصل الاجتماعي تصور طعاماً تعده من أجل توزيعه على الفقراء ، وتتباهى بكونها صنعت لحماً أو دجاجاً أو غيره ، فلا أعلم من أين أتت تلك الثقافة ، فنحن تربينا على الطبق الذي يدور بينك وبين جيرانك ، في صمت ومحبة ، وتربينا على أن الفقير أو اليتيم الذي يعيش في شارعك هو مسئول منك دون أن تجرحه أو تشهر به ، أو تعلن في الإذاعة عن مساعدته ، فكل ماذكرته كان من باب الأصول والأدب ، ولذا ما أراه الآن ماهو إلا انعدام أصل وقلة أدب ، وتشهير بشعب مصر كله ، حتى جعلوا من لا أصل لهم يتطاولون على شعب مصر فبتنا نُتهم بسرقة المعونات وبالشحاذة ، بعد أن كانت مصر صاحبة التكية التي تطعم الوطن العربي كله ، وصاحبة أعظم فضل في التعليم والطب بالمجان للغرباء ،ولذا لو كان الأمر بيدي لكانت تهمة هؤلاء خيانة الوطن والعقاب الرادع ليس بغرامة مادية فحسب بل السجن المؤبد ليعلم هؤلاء وغيرهم معنى الأصول واحترام الوطن .
واعتقد أن وجود الغرباء في الشوارع بتلك الصورة وتهديدهم لأمن الناس وأمانهم يحتاج لأن نستغل تلك الأعداد الهائلة ، ونعلمهم أن مصر دولة لها احترام وهيبة ، وأن وجودهم على أرضها ليس من أجل الفوضى ، فالأمن والأمان له ثمن ، ولذا من المفترض أن نستغل طاقة الأشقاء بدلاً من ضياعها في هتافهم ضد الرئيس بقولهم ( ترّس ترّس خلي السيسي يفلس ).بعد أن فتح أبواب النجاة لهم ، فصحراء مصر ممتدة ومصر تريد سواعد تزرعها، فلم لا نستغل وجود هؤلاء العالة الكارهين لمصر ولرئيس مصر ، والذين جاءوا من أجل خرابها ، فنُعدل ضمائرهم بإنسانيتنا ، ونجعلهم يزرعون كي نحصد ونعلمهم كيف يكون احترام الأرض التي استضافتهم وآوتهم في شدتهم ومحنتهم .
واعتقد أن من باب الإنسانية أن تنظر الحكومة في أمر المواطن ، فمع التغيرات الاقتصادية وهبوط سعر الجنيه ، اعتقد أنه آن الأوان لفتح باب المشروعات المختلفة للمواطنين بدلاً من سياسة الكسل والنوم بجانب شهادات الإدخار ، فلم لا تستبدل الحكومة هذا الأمر بفتح باب الصناعة في كل ما نحتاج لاستيراده فيتم تصنيعه محلياً ، وعلى الحكومة أن تكون شريكاً مع المواطن في المشاريع الضخمة وتعفيه مؤقتاً من الضرائب حتى يتسنى له الوقوف على قدميه وفي النهاية العائد سيكون قاسماً مشتركاً ، ونجاح تلك المشروعات سيضيف للصناعة وسيقلل البطالة ويفتح مجالات عديدة للابتكار والتجديد ، بدلاً من سياسة ماذا ستأكل غداً عزيزي المواطن ؟!!! إن النجاح يتوقف على النظرة الشاملة وليست النظرة القاصرة ، وتلك هي المشكلة التي مازلنا نعاني منها ، فلو كانت نظرة الحكومة للشعب كما يقول المثل الياباني لا تطعمني سمكة ولكن علمني كيف اصطادها لأصبحنا في مكان آخر .
هذا لو كنت وزيرة للإنسانية !!!!



