مقالات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي  يتحدث عن قراءة بلاغية في سورة العاديات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي  يتحدث عن قراءة بلاغية في سورة العاديات
بقلم \  المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي  عبد اللطيف
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
قال تعالى: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ [العاديات: 1 – 11].
سورة العاديات إحدى عشرة آية، وهي سورة مكية، تحدَّثت عن جحود الإنسان لربه، وبخله، وانصرافه عن طاعته، وحبِّه للمال وشُحِّه به، ومدى ولَعِه بحب الحياة، كما أقسم الله بالخيل وحياة الجهاد وما فيها من الحرب وتوسُّط النقع، والكرِّ والفرِّ، وما تُثيره سنابك الخيل من نار أرجلها، وإثارة التراب والالتقاء في وسط الميدان، وتُختَم ببيان الحقيقة، وهي مَرجِع الإنسان إلى الله للحساب والجزاء، وكل حياته كانت جهادًا وجمعًا للمال، ثم بُخلاً به، لكنه محاسب عليها، ولا ينفعه إلا عمله.
بدأت السورة بهذا القسم: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾ ، والعاديات اسم فاعل من العدو، وهي خيل المجاهدين تعدو في سبيل الله، وعرَّفها إظهارًا لشرفها وفضْلها عند الله، كما قال الرسول – صلى الله عليه وسلم -: ((الخيل معقود بنواصيها الخير))، وفيها استعارة مكنية؛ حيث شبَّه الخيل بأبطال أقوياء، يَعْدُون فيُسرعون، وتخرج منهم أصوات الأنفاس عند عدْوهم، وفيها إيحاء بالسرعة والعدْوِ الشديد؛ ومِن ثم مفاجأة العدو، وتحقيق النصر.
﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾: كناية عن موصوف، هو الخيل، أو ما يقوم مقامه في عصرنا الحاضر، و “قدحًا” كناية كذلك عن صفة، هي سرعتها، وشدَّة ضرْبها في الحجارة فتُحدث لهيبًا خلفها، ويُوحي ذلك بسرعة جرْيها، ومِراسها، ودُربَتها في ميادين القتال، كما يَبرُز فهمها لطبيعة الدور الذي نِيطَ بها، ودُرِّبتْ سلفًا عليه.
﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾: كناية عن موصوف، هو الخيل، أو مَن يَركبه، وفيها استعارة مكنية كذلك؛ حيث شبَّه الخيل بعدوٍّ يُغِير، ولديْه القدرة على تحقيق النصر، والأخذ بعنصر المفاجأة، والوصول إلى مكان المعركة قبل استيقاظ العدو، وفيها كناية عن حُسن الإعداد، ودقَّة التنفيذ، وكمال الخُطة العسكريَّة، حيث حقَّقت الخيل أهدافها مع شروق الشمس.
﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾: كناية عن شدَّتها، وكثرتها، وسرعتها، ودورانها وسيطرتها على ميدان المعركة، وقوله: “به” الباء بمعنى “فيه”، والضمير عائد على ميدان المعركة، أو على الوقت (وقت الصبْح)، فهذه أقسام ثلاثة تبيِّن أثر الجهاد في دنيا الناس: القسَمُ بالخيل المُجاهِدة، وقدْحها للنار الذي هو دليلُ قوَّتِها ومِرانها ومِراسها، ووصولها إلى عمْق الميدان لتُثير الفزع والخوف في قلوب أعدائها.
وتنكير ﴿ نَقْعًا ﴾ يأتي لبيان مدى علوِّه، وامتلاء الجو به، وانتشاره، كما تفعل الصواريخ والقنابل والدبابات والمدفعيات في أرض المعركة فتحيل نهاره ليلاً أسود دامسًا.
﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾: كناية عن القوة، والدُّرْبة، وسرعة الوصول؛ ومِن ثمَّ امتلاك ناصية الحرب، والسيطرة على وسط الميدان كرًّا وفرًّا، وتكتيكًا ونصْرًا.
• أما جواب القسم أو المُقسَم عليه، فهو أمور ثلاثة – كما سلف – أولها: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ ، وثانيها: ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾، وثالثها: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ .
• الأول فيه جملة من المؤكِّدات: (إن، واللام المُزحلَقة، واستعمال الجملة الاسميَّة)، وهو ما يسمَّى عند البلاغيين بالخبر الإنكاري، كأنَّ الإنسان يُنكِر ذلك، ويُداهِن، فتأتي التوكيدات لتؤكِّد له شدَّة جحوده وكفرانه، وأن تكذيبه بنِعَم الله لا محلَّ له ولا معنى، ولكن الإنسان يَنسى النِّعَم، ويتذكَّر الابتلاءات، فلا يَشكُر، ولا يُثْنِي، بل يَكفُر بربه، ويَنثني عنه، ويبتعد، وهذا التوكيد فيه زيادة في تقرير جحوده، وبيان إنكاره، و(كَنُود) صيغة مبالغة على وزن فَعُول؛ أي: لكَفور للنِّعمة، كثير الجَحْد لها، و(الكَنود) بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مُضَر وربيعة: الكَفور؛ أي: إنه لنعمة ربه شديد الكُفْران والنُّكْران.
﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ : فيه أسلوب قصْر، بتقديم ما حقُّه التأخير؛ حيث قدِّم شبه الجملة: ﴿ عَلَى ذَلِكَ ﴾، على متعلقه، وهو: ﴿ لَشَهِيدٌ ﴾، وكُرِّر التوكيد بـ (أن واللام) إمعانًا في ذكْر جُحوده، وإبرازًا لخطورة مسلكه، و(شهيد) صفة مشبَّهة، فهو يشهد على ذلك شهادةً دائمةً، واستعمال ﴿ ذَلِكَ ﴾ موضِّح لضخامة الجحود، وبشاعة النكران.
﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ : عُبِّر عن الإنسان بضمير الغائب الذي يتناسب مع سلوكه، واحتقار مسلكه، وفي تقديم ما حقُّه التأخير ﴿ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ أسلوب قصْر؛ حيث قصَر بخْله وحب المال على نفسه، وكذا إنفاقه على ذاته في وجوه الخير، “وأل” في الخير عهدية؛ أي: الخير المعهود عند الإنسان، وهو المال، أو هي جنسية؛ أي: جِنس الخير فهو يَبخل به، و(شديد): صفة مشبَّهة على وزن فَعيل، وتعني (بخيل)، فهو جدَّ في طلب المال وتَعِبَ في تحصيله، وبدا مُتهالِكًا عليه، فانيًا عمره في جمعه، ثم هو يتشدَّد في إنفاقه، ويَبخل به على مستحقِّيه؛ قال طَرفة:
أرى الموت يَعتام الكرام ويَصطفي
عَقيلة مال الباخِل المتشدِّدِ
فالشديد إما البخيل المُمسِك، وإما القوي، وإما المتقبِّض، غير مُنبسِط العطاء.
﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾: هنا إيجاز بالحذف في جملة وقعتْ بين الهمزة والفاء: ﴿ أَفَلَا ﴾؛ أي أفَعمِيَ فلم يَعلم، أو أجَهِل فلم يُدرِك، واستعمال الهمزة هنا يُفيد التقرير والتقريع، والفعل ﴿ يَعْلَمُ ﴾ من أفعال القلوب، أي: يجب أن يَعلم ويُدرك ويُوقن، و﴿ بُعْثِرَ ﴾ مبني لما لم يُسمَّ فاعله، أي: يُبعثِره الله، بَناه للمجهول؛ للعِلم بالفاعل، و﴿ مَا ﴾ لغير العاقل مع أن المبعوث عاقل، وهو إما لقيام “ما” مقام “مَن” لكثرة مَن يُبعَث مِن إنسان وحيوان وطير ونحوه، وإما جاءتْ على أصلها احتقارًا لشأنه، فهو لجهْلِه بمهمَّتِه، وعدم تحقيقه لرسالته – صار كالأعجميِّ الذي لا يُبين، وكالعجماء التي تتخبَّط، لا تَدري وجْهتَها، ولا تُحسِن فهْم هدَفِها.
﴿ فِي الْقُبُورِ ﴾ استعمال “في” يفيد أن جميع مَن في قبور الأرض مهما بَعُد وكثُرَ سيَخرج، و(أل) في القبور جنسية؛ أي: جِنس قبور الأرض ستَلفِظ ما فيها حيًّا، يَمضي إلى عرصات يوم القيامة، إلى أرض المحشَر؛ حيث الحساب والجزاء.
والقبور جمع كثرة على وزن فُعُول، وما أكثر قبور البشر المُنتشِرة على مرمى البصر، فكل قبر سيَلفِظ كل ما فيه، وكل أرض ستُخرِج مَخبوءها.
﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾: بناء الفعل لما لم يُسَمَّ فاعله كناية عن موصوف، هو الله – جل جلاله – القادر على تحصيل وجمع ما في الصدور، واستعمال (ما) يدل على جمع كل ما حدَث على مدى تاريخ الإنسان؛ فإنه يُحصَد حَصدًا، ويُجمَع جمعًا، والصدور مجاز مُرسل علاقته المحلية؛ حيث أَطلق المحلَّ، وأراد الحالَّ فيه، وهو القلب، فالمقصود: حُصِّل ما في القلوب التي هي وِعَاء الأحداث، ومكمن كل شيء في الإنسان، وجمع ﴿ الصُّدُورِ ﴾ دليل على كثرتها، و(أل) فيها جنسية؛ أي: جِنس صدور البشر، وفيه كذلك كناية عن طلاقَة القدرة الإلهية، والهَيمنة الكاملة على مُجرَيات الكون، و(من) و(ما) فيه، وفي كل مِن ﴿ الْقُبُورِ ﴾ و﴿ الصُّدُورِ ﴾ جناس غير تامٍّ، وحرف التَّكرار يُبيِّن ما وراءه مِن ظل المعنى، في أن ذلك الجمع سيتكرَّر، ويُخرج العمل مِن كل صدر، كما خرج الإنسان من كل قبر، بحيث لا يَبقي أحدٌ داخل القبور، ولا يظل شيءٌ مخبوءًا داخل تلك الصدور.
﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾: أسلوب توكيد؛ وذلك لانتِشال الشكِّ من قلوب الشاكِّين، ولبيان عظمة الله في عِلمه بكل صغيرة وكبيرة، وفيه كذلك أسلوب قصر بتقديم ما حقُّه التأخير؛ حيث تعلَّق شبه الجملة (بهم) بقوله: “خبير” الآتي بعدُ، وفيه إيجاز بالحذف؛ حيث حذَف جملةً كاملةً: (أي: إن ربهم بهم يوم إذ يُبَعثر ما في القبور ويُحَصَّل ما في الصدور لخبير)، و (خبير) فيها تضمين؛ لأنها بمعنى مُجَازٍ لهم على أفعالهم، و(خبير) بوزن فعيل: صفة مشبهة، تلك التي تبين أن عِلمه أزلي شامل، وجزاءه مُحيط كامل.
• وفي السورة سجْع مرصَّع في نحو: (شهيد/ شديد/ صدور/ قبور)، وهو محسِّن بديعيٌّ لفظيٌّ، وفيها الجناس غير التام في نحو: (لشهيد/ شديد/ ضبحًا/ صبحًا)، والسورة كلها كناية عن قيمة الجهاد في حياة الناس، وبيان وسائله، وبيئته، وكناية عن طبيعة الإنسان في البخل بالمال، وجحوده له، وعدم إنفاقه، وفيها تعريض بضرورة العودة إلى الله قبل الممات؛ حتى لا نتعرَّض لسوء العاقبة، وخطورة المساءلة.
نسأل الله – تعالى – أن يبصِّرنا بشرف المُجاهَدة، وجلال الجهاد في سبيله، وحُسن الاستعداد له، وأن يُبعِدنا عن حياة البخْل والباخِلين، ويقرِّبنا من جمال الإنفاق والمُنفِقين، والصدقة والمتصدِّقين، وأن يُبصِّرنا بحقيقة البعث، وصدق الإيمان باليوم الآخِر، والعمل له والخوف من الله – جل في علاه – وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى