مقالات

خريف العمر في مهب الريح.. هل رفعت الحكومة يدها عن أصحاب المعاشات؟!

كتب : شحاتة ذكي

في الوقت الذي تشتد فيه أنواء الغلاء وتتلاطم أمواج التضخم غير المسبوقة، كان الملايين من أصحاب المعاشات ينتظرون من الحكومة “قارب نجاة” يقي شيبتهم ذل الحاجة، إلا أن التصريحات الأخيرة للسيد رئيس مجلس الوزراء جاءت كـ “صدمة معنوية” لم تكن في الحسبان؛ حينما ألقى بملف زيادة المعاشات كاملاً في جعبة “الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي”، معتبراً إياها شأناً داخلياً يخص الهيئة وحدها.
إن هذا المنطق الإنفصالي لا يثير الغضب فحسب بل يستدعي للأذهان ذكري مريرة من العام الماضي حين سقط أصحاب المعاشات من حسابات إعانة غلاء المعيشة في واقعة وصفت بالتعنت البيروقراطي من قِبَل رئيس الهيئة .
لقد حرم الملايين من حقهم في مواجهة الغلاء بحجج واهية.
واليوم تعيد الحكومة إنتاج ذات المشهد .
وكأنها تمنح الضوء الأخضر لإستمرار هذا المسار الذي يفتقر إلي أدني معايير الحماية الإجتماعية .

إن هذا المنطق الذي يتبنى “الفصل” بين مسؤولية الحكومة وبين هيئة التأمينات، يراه أصحاب المعاشات سياجاً من الجمود الإداري يُراد به التنصل من إلتزام أدبي وأخلاقي وقانوني .
فالدولة هي المظلة الأم وهي المسؤول الأول عن حماية مواطنيها —وفي القلب منهم كبار السن— من تآكل القوى الشرائية الذي عصف بالجميع .
إن إعتبار الزيادة شأناً تأمينياً بحتاً هو تجاهل صريح للبعد الإجتماعي الذي قامت على أساسه فلسفة الحكم .

ما يجب أن تدركه الحكومة جيداً هو أن صاحب المعاش لا يطلب “مِنّة” أو “صدقة”، بل يطالب بـثمرة كدحه وعصارة عمره التي إستُقطعت من عرق جبينه على مدار عقود .
إن هؤلاء الذين أفنوا زهرة شبابهم في بناء مؤسسات الوطن من حقهم اليوم أن يجدوا وفاءً يوازي ذلك العطاء ، وتأميناً لحياة كريمة في سنواتهم التي يُفترض أن تكون “سنوات الراحة”، لا سنوات البحث عن تدبير ثمن الدواء ولقمة العيش .
هذه التصريحات إنما تعكس فجوة عميقة بين صانع القرار وبين نبض الشارع ، فبينما ينتظر الملايين إنفراجة مالية تعينهم على تدبير أساسيات الحياة من مأكل ومشرب وملبس وعلاج ، يأتي الرد الحكومي مخيباً للآمال ومكرساً لحالة من الإحباط والاستياء العام .
إن التخلي المادي والمعنوي في هذا التوقيت الحرج يضع “خيرة أبناء الوطن ” خارج نطاق الخدمة والاهتمام وهو مسار يحتاج إلى مراجعة فورية .
إن المشهد الراهن لا يحتمل البيروقراطية أو الحجج الفنية بل يتطلب تدخلاً سياسياً عاجلاً لتصحيح هذا المسار .
إن إقرار زيادات إستثنائية تواكب هذا الغلاء الفاحش ليس ترفاً، بل هو “رد جميل” وواجب وطني تجاه فئة لم تبخل يوماً على وطنها .
فهل يُعقل أن يبخل الوطن عليها في أمسّ لحظات إحتياجها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى