رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن صناعة الخير

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن صناعة الخير
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن صناعة الخير لا تقتصر على مباشرته فحسب، بل تمتد لتشمل الإرشاد إليه، والدلالة عليه، وفتح أبوابه للمترددين، فالدال على الخير شريكٌ في الأجر، ومفتاحٌ من مفاتيح الرحمة.
فإنَّ شأن الدلالة على الخير شأنٌ عظيم، فهي ميزة هذه الأمة المحمدية، وبها قوام المجتمع المسلم وترابطه. إنَّ المسلم ليس كائناً يعيش لنفسه في صومعةٍ منعزلة، بل هو مشعل نورٍ يضيء للآخرين سبل الرشاد، وهو هادٍ بفعله ومقاله، يرجو بذلك وجه الله والدار الآخرة. وفي هذه المحاضرة، سنبحر في نصوص الوحيين لنستجلي معالم هذا الباب العظيم.
أولاً: الأسس القرآنية للدعوة والدلالة على الخير
لقد أرسى القرآن الكريم قواعد الدعوة إلى الله، وجعلها فريضةً محكمة ومنهاجاً مستمراً، وتنوعت الخطابات القرآنية لتشمل الأمر المباشر، وطلب المعاونة، ووضع الأطر المنهجية لهذه الدعوة.
● الأمر الصريح بالدعوة والتوجه إلى الربوبية
إنَّ الدعوة إلى الله هي صلة الوصل بين العبد وخالقه، وهي الثبات على الحق في وجه المضلين. قال تعالى:
{وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [القصص: 87].[الحج: 67].
وهنا نجد أنَّ الأمر بالدعوة اقترن بالنهي عن الشرك، للدلالة على أنَّ الداعي لا بد أن يكون مخلصاً لوجه الله، متجرداً من حظوظ النفس.
وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وَإِنْ كَانَ خِطَابُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ، إِلَّا أَنَّ حُكْمَهَا عَامٌّ لِلأُمَّةِ؛ فَكُلُّ مُسْلِمٍ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَكُونَ دَاعِياً إِلَى رَبِّهِ، يُعَرِّفُ النَّاسَ بِخَالِقِهِمْ، وَيَدُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقِ رِضْوَانِهِ. إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِتَحْوِيلِ الحَيَاةِ كُلِّهَا إِلَى مَنَارَةِ هِدَايَةٍ.
● منهجية الخطاب الدعوي: الحكمة والموعظة
لم يترك القرآن الكريم الدعوة لاجتهاداتٍ بشرية قد تشوبها الغلظة، بل حدد الوسائل التي تؤلف القلوب وتستدعي القبول. قال تعالى:
{ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
• الحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، ومخاطبة العقول بما تدرك.
• الموعظة الحسنة: هي التي تلامس شغاف القلوب برفقٍ ولين.
ثُمَّ بِالجَدَلِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: رَدِّ الشُّبُهَاتِ بِأَرْفَعِ الأَسَالِيبِ وَأَلْطَفِهَا. فَالدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَاقِلٍ لِلْمَعْلُومَةِ، بَلْ هُوَ فَنَّانٌ يُحْسِنُ إِيصَالَهَا.
● التعاون على البر والتقوى
إنَّ الدلالة على الخير هي صورة من صور التعاون الذي أمر الله به، ليتكاتف المجتمع على الفضيلة. قال تعالى:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
فكل مَن دلَّ على برٍّ أو أعان عليه، فقد امتثل لهذا الأمر الإلهي، وساهم في بناء صرح الإيمان.
والدَّلَالَةُ عَلَى الخَيْرِ لَيْسَتْ عَمَلاً فَرْدِيّاً، بَلْ هِيَ فِعْلٌ جَمَاعِيٌّ تَعَاوُنِيٌّ. إِنَّ المُؤْمِنِينَ كَالْبُنْيَانِ المَرْصُوصِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً. فَمَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَقَدْ أَعَانَ أَخَاهُ عَلَى البِرِّ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى البِرِّ فَقَدْ أَطَاعَ أَمْرَ رَبِّهِ. فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الأَمْرِ الصَّرِيحِ مِنْ تَرَدُّدٍ؟
● تخصيص أمة للدعوة إلى الخير .
لقد جعل الله من صفات المجتمع الفاضل وجود فئةٍ نذرت نفسها للدلالة على الخير والنهي عن المنكر. قال تعالى:
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
وهذا يقتضي أن يكون المسلم إيجابياً في مجتمعه، يبحث عن مواطن الصلاح فيدعمها، وعن مواطن الخلل فيصلحها.
– لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ وَالإِيمَانِ العَهْدَ وَالمِيثَاقَ لِيُعَلِّمُوا الجَاهِلَ، وَيُذَكِّرُوا الغَافِلَ. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَى فَرْضِ الكِفَايَةِ فِي الدَّعْوَةِ؛ فَإِذَا قَامَ بِهَا مَنْ يَكْفِي سَقَطَ الإِثْمُ عَنِ البَاقِينَ، وَإِلَّا فَالأُمَّةُ كُلُّهَا آثِمَةٌ. وَانْظُرْ كَيْفَ خَتَمَ اللَّهُ الآيَةَ بِالفَلَاحِ، إِنَّهُ ثَمَنُ الدَّعْوَةِ، وَجَزَاءُ الدُّعَاةِ.
● الدَّعْوَةُ أَحْسَنُ قَوْلٍ فِي الأَرْضِ:
قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
إِنَّهُ تَكْرِيمٌ إِلَهِيٌّ لَا يَخْفَى. أَفِي الكَوْنِ كَلِمَةٌ أَعْظَمُ مِنْ كَلِمَةٍ تَصِلُ العَبْدَ بِرَبِّهِ؟ أَفِي الوُجُودِ صَوْتٌ أَرْفَعُ مِنْ صَوْتٍ يَرُدُّ النَّاسَ عَنْ جَهَنَّمَ وَيَقُودُهُمْ إِلَى الجَنَّةِ؟
إن هَذِهِ الآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ دَعَا إِلَى خَيْرٍ”. فَأَنْتَ حِينَ تَدْعُو إِلَى صَلَاةٍ، أَوْ تَأْمُرُ بِصِدْقٍ، أَوْ تَنْهَى عَنْ غِشٍّ، فَأَنْتَ صَاحِبُ أَحْسَنِ قَوْلٍ. أَيَّةُ تِجَارَةٍ أَرْبَحُ مِنْ هَذِهِ؟
● الدَّعْوَةُ سَبَبُ رَحْمَةِ اللَّهِ:
قَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 71].
لَقَدْ رَبَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الدَّعْوَةِ وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ. فَمَنْ أَرَادَ رَحْمَةَ اللَّهِ فَلْيَكُنْ دَاعِياً إِلَى خَيْرٍ، آخِذاً بِيَدِ الغَيْرِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ.
إِنَّهَا مُعَادَلَةٌ رَبَّانِيَّةٌ: كُلَّمَا زَادَتْ هِمَّتُكَ فِي هِدَايَةِ النَّاسِ، زَادَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ لَكَ.
● خَيْرِيَّةُ الأُمَّةِ مُرْتَبِطَةٌ بِالدَّعْوَةِ:
قَالَ تَعَالَى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
فَخَيْرِيَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَيْسَتْ لِكَثْرَةِ عَدَدِهَا، وَلَا لِسَعَةِ رُقْعَتِهَا، وَلَا لِغَزَارَةِ مَالِهَا، بَلْ لِأَنَّهَا تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنكَرِ. فَإِذَا تَخَلَّتِ الأُمَّةُ عَنْ هَذِهِ المُهِمَّةِ فَقَدَتْ خَيْرِيَّتَهَا، وَسَقَطَتْ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ وَعُيُونِ النَّاسِ. فَحَافِظُوا عَلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ.
● النَّجَاةُ مِنَ العَذَابِ بِالدَّعْوَةِ وَالتَّذْكِيرِ:
قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164].
هَذِهِ الآيَةُ فِي شَأْنِ أَصْحَابِ السَّبْتِ. لَقَدْ عَلِمَ الصَّالِحُونَ أَنَّ العَذَابَ نَازِلٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ}. أَيْ: نَعْتَذِرُ إِلَى اللَّهِ بِأَنَّا قُمْنَا بِوَاجِبِنَا، فَلَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْنَا. هَذَا هُوَ الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ، يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ المَسْؤُولِيَّةِ، وَيُبْرِئُ ذِمَّتَهُ أَمَامَ اللَّهِ. فَكَمْ مِنْ عَذَابٍ دُفِعَ بِدَعْوَةِ دَاعٍ، وَنَجَاةٍ حَصَلَتْ بِدَلَالَةِ دَالٍّ.
● المُلْكُ وَالتَّمْكِينُ ثَمَرَةُ الدَّعْوَةِ:
قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].
إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الخَيْرِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَمَلٍ ثَانَوِيٍّ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِينَ، بَلْ هِيَ غَايَةُ التَّمْكِينِ. لَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ يُمَكِّنُهُمْ فِي الأَرْضِ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةَ دَعْوَةٍ وَهُدَاةَ خَيْرٍ. فَمَنْ أَرَادَ العِزَّةَ وَالنَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ، فَلْيَعُدْ إِلَى مَنْهَجِ الأَنْبِيَاءِ: الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ.
● التَّوَاصِي بِالحَقِّ وَالصَّبْرِ رَأْسُ مَالِ الرَّابِحِينَ:
قَالَ تَعَالَى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3].
أَقْسَمَ اللَّهُ بِالعَصْرِ، وَهُوَ الدَّهْرُ، عَلَى أَنَّ الخُسْرَانَ هُوَ الأَصْلُ فِي حَيَاةِ البَشَرِ، إِلَّا مَنِ اتَّصَفُوا بِأَرْبَعِ صِفَاتٍ: الإِيمَانِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالتَّوَاصِي بِالحَقِّ (وَهُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى الخَيْرِ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ)، وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ (وَهُوَ الثَّبَاتُ عَلَى الدَّعْوَةِ رَغْمَ العَوَائِقِ). إِنَّهَا وَصْفَةُ النَّجَاةِ الوَحِيدَةِ فِي زَمَنِ الضَّيَاعِ.
ثانياً: شرف الدلالة على الخير في السنة النبوية
إذا كان القرآن قد أصلَّ القواعد، فإنَّ السنة النبوية قد فصّلت الأجور، وبيّنت الآثار المترتبة على الدلالة والدعوة، ومن ذلك ما أوردته لنا الدواوين الصحيحة:
● مبدأ مضاعفة الأجر للمدلين على الخير
من كرم الله تعالى أن جعل للدال نصيباً من أجر الفاعل، تحفيزاً للناس على نشر الفضيلة.
– عن أَبِي مسعودٍ عُقبَةَ بْن عمْرٍو الأَنْصَارِيِّ رضي اللَّه عنه قال : قال رسول اللَّه ﷺ : « مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلهُ مثلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ » رواه مسلم .
وهذا الحديث يفتح باباً واسعاً للثواب؛ فقد تعجز عن فعل الخير ببدنك أو مالك، لكنك تدل عليه غيرك، فيكتب الله لك الأجر كاملاً دون أن ينقص من أجر الفاعل شيء.
● المسؤولية الجسيمة في الدعوة إلى الهدى أو الضلالة
الدعوة سلاح ذو حدين، فكما أن الهدى يرفع صاحبه، فإن الضلالة تهوي بصاحبها.
– عن أَبِي هريرة رضي اللَّه عنه أَن رسولَ اللَّه ﷺ قال : «منْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ منْ تَبِعَهُ لا ينْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئاً ، ومَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لا ينقُصُ ذلكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً » رواه مسلم.
فالحذر كل الحذر من سنِّ سنّةٍ سيئة أو الدعوة إلى منكر، لأن الأوزار تتراكم بتراكم الأتباع.
ثالثاً: نماذج تطبيقية وعملية من السيرة النبوية
إنَّ السيرة النبوية هي التطبيق الحي لهذه المعاني، ومن أعظم شواهدها قصة فتح خيبر وتوجيهات النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
● الدعوة قبل المواجهة ووزن الهداية
– عن أَبي العباسِ سهل بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي اللَّه عنه أَن رسولَ اللَّه ﷺ قال يَوْمَ خَيْبَرَ : « لأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفْتَحُ اللَّه عَلَى يَدَيْهِ ، يُحبُّ اللَّه ورسُولَهُ ، وَيُحبُّهُ اللَّه وَرَسُولُهُ » فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا .
((قوله : « يَدُوكُونَ » : أَيْ يخُوضُونَ ويتحدَّثون)) ،
فَلَمَّا أصبحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رسولِ اللَّه ﷺ : كُلُّهُمْ يَرجُو أَنْ يُعْطَاهَا ، فقال: « أَيْنَ عليُّ بنُ أَبي طالب ؟ » فَقيلَ : يا رسولَ اللَّه هُو يَشْتَكي عَيْنَيْه قال : « فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ » فَأُتِي بِهِ ، فَبَصقَ رسولُ اللَّه ﷺ في عيْنيْهِ ، وَدعا لَهُ ، فَبَرأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجعٌ ، فأَعْطَاهُ الرَّايَةَ . فقال عليٌّ رضي اللَّه عنه : يا رسول اللَّه أُقاتِلُهمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا ؟ فَقَالَ : « انْفُذْ عَلَى رِسلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِساحتِهِمْ،((قوْلُهُ : « رِسْلِكَ » بكسر الراءِ وبفَتحِهَا لُغَتَانِ ، وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ ))
ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ ، وَأَخْبرْهُمْ بِمَا يجِبُ مِنْ حقِّ اللَّه تَعَالَى فِيهِ ، فَواللَّه لأَنْ يَهْدِيَ اللَّه بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمَ» متفقٌ عليه.
• انظر إلى وصف الصحابة وهم “يدوكون”، أي يخوضون في تلهف، مما يعكس شغف الرعيل الأول بالمقامات العلية. ثم تأمل وصية النبي ﷺ لعلي: “فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم”؛ فحمر النعم (وهي الإبل النفيسة والغالية عند العرب) لا تساوي شيئاً أمام إنقاذ نفساً من الضلال إلى الهدى.
● الوساطة في الخير وإعانة العاجزين
من صور الدلالة على الخير أن تدل المحتاج على من يملك القدرة، أو تدل القادر على من يستحق المعونة.
– عن أَنسٍ رضي اللَّه عنه أَنْ فَتًى مِنْ أَسْلَمَ قال : يا رسُولَ اللَّه إِنِّي أُرِيد الْغَزْوَ ولَيْس مَعِي مَا أَتجهَّزُ بِهِ ؟ قَالَ : « ائْتِ فُلاناً فإِنه قَدْ كانَ تَجَهَّزَ فَممرِضَ » فَأَتَاهُ فقال : إِنَّ رسولَ اللَّه ﷺ يُقْرئُكَ السَّلامَ وَيَقُولُ : أَعْطِني الذي تجَهَّزْتَ بِهِ ، فقال : يا فُلانَةُ أَعْطِيهِ الذي تجَهَّزْتُ بِهِ ، ولا تحْبِسِي مِنْهُ شَيْئاً ، فَواللَّه لا تَحْبِسِينَ مِنْهُ شَيْئاً فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ . رواه مسلم .
• في هذا النص نلمس كمال التربية النبوية؛ فالنبي ﷺ دلَّ الفتى على الرجل المريض لئلا يضيع أجر التجهيز، والرجل المريض بادر بالعطاء بيقينٍ عظيم، مدركاً أنَّ حبس المال عن أبواب الخير يمحق البركة.
رابعاً: الاستنباطات العلمية والفوائد التربوية
من خلال ما استعرضناه، نخلص إلى جملة من الحقائق التي يجب أن يستصحبها كل مؤمن:
* عمومية الفضل: فضل الدلالة لا يقتصر على الأمور الدينية الصرفة، بل يشمل كل نفع دنيوي يعين على طاعة أو يقضي حاجة مسلم.
* بركة العطاء: كما في حديث “أسلم”، فإن إخراج المال في سبيل الله، خاصة لمن دلّك عليه نبي أو هادٍ، هو مفتاح البركة.
* عظمة التبعة: الداعي للضلالة يحمل أوزاراً مركبة، مما يستوجب التثبت قبل النطق والدعوة لغير علم.
إنَّ هذه النصوص المتضافرة ترسم لنا معالم الطريق؛ فكن أيها المسلم منارة هدى، ودلَّ على الخير بكل ما أوتيت من قوة، فكلمة طيبة قد تهدي ضالاً، ودلالة يسيرة قد تفرج كرباً، واعلم أنَّ أجرك موصول ومضاعف بفضل الله وكرمه.
في ختام جولتنا الفكرية والبحثية في باب “الدلالة على الخير”، يمكننا استخلاص أهم النقاط الجوهرية التي تضمنتها المحاضرة:
● عالمية المسؤولية الدعوية: إنَّ الدعوة إلى الله والدلالة على دينه ليست وظيفةً محصورة في فئةٍ بعينها، بل هي تكليفٌ لكل مسلم بحسب علمه وقدرته {وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ}.
● قاعدة التضاعف المطرد: أثبتت السنة النبوية أنَّ أجر الدلالة مساوٍ لأجر العمل، مما يفتح آفاقاً للمؤمن لتحصيل أجورٍ لا حصر لها من خلال توجيه الآخرين للخير.
● منهجية الرفق والحكمة: لا تُثمر الدلالة إلا إذا كانت مغلفةً بـ “الموعظة الحسنة” والرفق في القول، كما في وصية النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
● خطورة الانحراف الدعوي: كما أنَّ الدلالة على الهدى ترفع الدرجات، فإنَّ الدعوة إلى الضلالة تضاعف الأوزار والآثام، مما يفرض على المؤمن الحذر الشديد فيما ينشره ويدعو إليه.
● البركة في التعاون: بيَّن حديث الفتى من “أسلم” أنَّ التعاون على البرِّ والدلالة على أهل الفضل يستنزل بركات الله في الأموال والأعمال.
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، اللهم يا هادي المضلين، ويا دليل الحائرين، ويا مجيب دعوة المضطرين، اجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
اللهم استعملنا في طاعتك، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اللهم وفقنا للدلالة على كل برّ، وإعانة كل محتاج، والإرشاد إلى كل هدى.
اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اجعلنا ممن يدعون إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وارزقنا قلوباً رحيمة، وألسنةً صادقة، وأعمالاً متقبلة. اللهم اجعل كل كلمةٍ ننطق بها، وكل دلالةٍ ندلُّ عليها في ميزان حسناتنا، واكتب لنا من الأجر مثل أجور من تبعنا بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم كما هديتنا للإسلام، فثبتنا عليه، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، واكفنا شر أنفسنا، وأعذنا من أن ندعو إلى ضلالةٍ أو منكر.
اللهم بارك لنا في أرزاقنا وأعمارنا كما باركت للرجل الذي جهَّز الغازي بماله، واجعلنا متعاونين على البر والتقوى، متآلفين في مرضاتك، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



