حين تتصدر الشبهات المشهد… من يقود عقول الأمة؟

ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية
“التعليم والثقافة… جناحان مكسوران”
حين يُقال إن التعليم والثقافة هما جناحا التقدم، فالمقصود أن الأمم لا تنهض إلا بعقلٍ يتعلم وروحٍ تُبدع. لكن ماذا يحدث حين يصبح القائمون على هذين الجناحين موضع شك؟ حين تُلاحق أحدهما اتهامات بالتزوير، وتُدان الأخرى بحكم قضائي يتعلق بسرقة فكرٍ ليس لها؟ هنا لا نتحدث عن أزمة أشخاص، بل عن أزمة منظومة وقيم.
القضية ليست مجرد حكم أو طعن تم رفضه، وليست واقعة قانونية عابرة تُطوى بمرور الوقت. القضية أعمق بكثير؛ إنها تمس جوهر فكرة القدوة. كيف نُقنع طالبًا بأن الأمانة العلمية خط أحمر، بينما يرى من يُفترض أنهم حراس هذه القيم يقفون في موقع الاتهام؟ كيف نطلب من مثقف أن يحترم حقوق الملكية الفكرية، بينما رأس المنظومة الثقافية متورط في قضية من هذا النوع؟
الأخطر من ذلك هو الرسالة غير المُعلنة التي تصل إلى المجتمع: أن المناصب قد تعلو فوق القيم، وأن السلطة قد تمنح حصانة معنوية حتى في مواجهة الأخطاء الجسيمة. هذه الرسالة، إن ترسخت، تُفكك الثقة العامة وتُحول الحديث عن الإصلاح إلى مجرد شعارات جوفاء.
المؤسسات لا تُقاس بقوة هياكلها، بل بنزاهة من يديرونها. والتعليم تحديدًا ليس مجرد مناهج وامتحانات، بل منظومة أخلاقية قبل أن يكون منظومة معرفية. والثقافة ليست فعاليات ومهرجانات، بل ضمير أمة ومرآة وعيها. فإذا اختل الميزان الأخلاقي في القمة، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على القاعدة.
البعض قد يرى أن إثارة هذه القضايا نوع من التشهير أو المبالغة، لكن الحقيقة أن الصمت هو الخطر الأكبر. لأن التغاضي عن الأخطاء حين تصدر من مسؤولين كبار يُحولها إلى سابقة، ويُعيد تعريف المقبول والمرفوض في الوعي العام.
لسنا بحاجة إلى جلد الذات، ولا إلى تصفية حسابات، بل إلى وضوح وحسم. إلى رسالة تقول إن المناصب العامة لا تحمي أصحابها من المساءلة، بل تُضاعف مسؤولياتهم. وأن من يتولى قيادة العقول لا بد أن يكون أول من يلتزم بالقيم التي يدعو إليها.
في النهاية، لا يمكن لجناحي التقدم أن يحملا أمة إلى الأمام إذا كان أحدهما مثقوبًا والآخر مُثقلًا بالشكوك. الإصلاح الحقيقي يبدأ من القمة، من استعادة الثقة، ومن وضع الكفاءة والنزاهة فوق أي اعتبار. بدون ذلك، سنظل نردد الشعارات نفسها، بينما يظل الواقع في مكانه… أو ربما يتراجع.




