رياضةمنوعات

العلاقات الخفية والمريبة في كرة القدم 

كتب: محمد الأسيوطي 

 

الصديق التاريخي والعدو المشترك واللعب بالوكالة.. علاقات خفية ومريبة في كرة القدم 

كرة القدم ليست مجرد مباراة

خلف المستطيل الأخضر تُدار مباريات أخرى لا تحكمها الصافرة بل تحركها خيوط السياسة وصراعات الهوية

فكرة القدم ليست مجرد 22 لاعبًا داخل المستطيل الأخضر بل هي عالمٌ معقد من العلاقات والانطباعات والتحالفات النفسية والجماهيرية والسياسية وهو ما أفرز عبر العقود مفاهيم شهيرة مثل: “الصديق التاريخي”، “العدو المشترك”، “التوأمة الجماهيرية”، و“اللعب بالوكالة” وعلاقات أكثر ريبة وخفاء

 

ورغم أن هذه المصطلحات لا تُصنَّف قانونيًا دائمًا ضمن التلاعب أو الفساد فإنها أصبحت جزءًا أصيلًا من الثقافة الجماهيرية المحلية والعالمية وتؤثر بصورة مباشرة على نظرة الجماهير لنزاهة المنافسات وعدالة المسابقات

 

ماذا يعني “اللعب بالوكالة” في كرة القدم؟

يظهر مفهوم “اللعب بالوكالة” عندما يخوض فريق مباراة من مبارياته وكأنها تخص ناديًا آخر أكثر مما تخصه هو سواء عبر القتال المبالغ فيه لتعطيل منافس مباشر لفريق تربطه به علاقة جيدة أو عبر الظهور بأداء هادئ أمام خصم آخر بسبب تقارب نفسي أو جماهيري أو تاريخي

 

وفي كثير من الأحيان لا يتعلق الأمر بتفويت مباشر أو اتفاقات سرية بل بفوارق الحماس والدوافع والانطباعات المتراكمة بين الجماهير واللاعبين تجاه بعض الأندية

 

إسبانيا.. السياسة والهوية داخل المستطيل الأخضر

تُعد الكرة الإسبانية واحدة من أبرز النماذج العالمية التي تظهر فيها فكرة “الصديق والعدو” بصورة واضحة

فجماهير برشلونة ترى أن بعض الأندية الإسبانية تدخل مواجهاتها ضد ناديها برشلونة بدرجة عدائية أكبر بسبب الخلفيات السياسية والهوياتية المرتبطة بإقليم كتالونيا

بينما تتهم جماهير برشلونة بعض الفرق بأنها أقل شراسة أمام ريال مدريد

 

كما تنظر جماهير برشلونة تاريخيًا إلى نادي إسبانيول باعتباره خصمًا محليًا أكثر عدائية تجاه برشلونة مقارنة بعدائه لريال مدريد

 

وفي المقابل تتهم جماهير ريال مدريد بعض الأندية ذات النزعات القومية أو الهوياتية مثل أتليتك بلباو بأنها تتحفز بصورة أكبر أمام الفريق الملكي بسبب الخلفيات السياسية والثقافية

 

إيطاليا.. التوأمة الجماهيرية وثقافة “العدو والصديق”

في إيطاليا تطورت الظاهرة بصورة أكثر تنظيمًا عبر ما يُعرف باسم “Gemellaggio” أي التوأمة الجماهيرية بين روابط المشجعين

 

وشهدت الكرة الإيطالية عبر عقود طويلة علاقات تقارب تاريخية بين جماهير إنتر ميلان ولاتسيو إلى جانب علاقات أخرى جمعت جماهير إيه سي ميلان ببعض الأندية الإيطالية

 

في المقابل خلقت الهيمنة التاريخية والجدل التحكيمي وشبهات الفساد مثل قضية “الكالتشيوبولي” حالة عداء واسعة تجاه السيدة العجوز يوفينتوس ما جعل كثيرًا من مبارياته تُلعب بطاقة جماهيرية ونفسية مضاعفة

 

ولا تتوقف هذه العلاقات عند كرة القدم فقط بل تمتد أحيانًا إلى السياسة والجغرافيا والانتماءات الطبقية والهوية المحلية للمدن الإيطالية

 

أمريكا الجنوبية.. العدو المشترك والصديق المشترك

في أمريكا الجنوبية تبدو الظاهرة أكثر وضوحًا داخل روابط الجماهير المنظمة المعروفة باسم “البراس برافاس”

فالعلاقات بين جماهير بوكا جونيور وريفر بليت لا تقتصر على التنافس التقليدي بل تدخل ضمن شبكة واسعة من التحالفات والعداوات مع جماهير أندية أخرى داخل الأرجنتين وخارجها

 

كما توجد تحالفات جماهيرية تاريخية بين بعض جماهير الأندية الأرجنتينية والأوروجوانية والتشيلية ضد جماهير منافسة مشتركة وهو ما ينعكس أحيانًا على أجواء المباريات ومستوى التحفز الجماهيري

 

وفي البرازيل أيضًا ظهرت صداقات وعداوات ممتدة بين روابط جماهير فلامنجو وكورينثيانز وأندية أخرى ما يؤثر على طبيعة التنافس داخل الملاعب

 

كيف تراعي الاتحادات هذه الظواهر؟

وأمام هذا التشابك المعقد لم تقف الاتهامات عند حدود المدرجات بل وضعت الاتهامات القائمين على اللعبة أمام تحديات أخلاقية وتنظيمية صعبة

كما أصبحت كثير من الاتحادات والروابط الرياضية تدرك أن العدالة لا تتعلق فقط بمنع التلاعب الحقيقي بل أيضًا بالحفاظ على “صورة النزاهة” أمام الجماهير

ولهذا تُراعى أحيانًا عدة أمور مثل:

إقامة مباريات الحسم في نفس التوقيت

تجنب تضارب المصالح في الجولات الأخيرة

الفصل بين المباريات المثيرة للشبهات الجماهيرية

تشديد الرقابة على مواجهات اللقب والهبوط

مراعاة توقيت بعض المباريات الحساسة داخل جدول المسابقة

 

الكرة المصرية.. لماذا عاد الجدل الآن؟

يعود ويتكرر الحديث عن هذه الظاهرة مجددًا داخل الكرة المصرية بالتزامن مع مباراة الزمالك وسيراميكا في ختام الدوري في ظل اتهامات جماهيرية متكررة لسيراميكا بأنه يلعب أحيانًا “بالوكالة” لصالح الأهلي وهي اتهامات متداولة جماهيريًا سواء اتفقنا معها أو اختلفنا

وكثيرًا ما كانت نفس الشبهات تُثار عندما كان يلعب أبناء العمومة الزمالك والإسماعيلي بروح الود والحب وعدم السخونة

 

كما ترى جماهير كثيرة أن بعض الفرق تدخل مواجهات الأهلي بدرجة شراسة مختلفة عن مباريات أخرى أمام الزمالك مثل بيراميدز أو الإسماعيلي

بينما توجد جماهير مضادة ترى العكس في مواجهات مختلفة

 

وتبقى الحقيقة الأهم أن كرة القدم ستظل دائمًا مليئة بالعلاقات والانطباعات النفسية والجماهيرية وهو ما يجعل العدالة الحديثة لا تتعلق فقط بمنع الفساد بل أيضًا بإغلاق أبواب الشبهات وتوسيع النظر لهذه العلاقات وانعكاساتها بشكل أكبر

لكي يبقى الملعب هو الحكم الوحيد

 

لنقف جميعا أمام سؤال مفتوح حول مستقبل النزاهة في ظل تزايد الاستثمار الرياضي الذي قد يغير هذه الخريطة أو يحركها ويتلاعب بها لكسب المال. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى