خلف ستائر المطبخ السياسي.. لماذا تنجح “الحكاية” فيما تفشل فيه المدافع؟

بقلم: د. هالة صابر عكاشة
يقولون إن المدافع قد تربح المعارك، لكنها نادراً ما تربح العقول.. ففي كواليس السياسة الدولية، حيث تُحاك التوازنات وتُرسم الأجندات خلف الستائر المغلقة، تظل “الحكاية” هي العملة الأكثر رواجاً؛ فمن يمتلك الرواية الأصدق والأكثر جاذبية، يمتلك مفاتيح السيطرة دون حاجة لطلقة واحدة.
منذ نحو ستة وثلاثين عاماً، وتحديداً في عام 1990، برز في الأفق الأكاديمي الأمريكي أستاذ بجامعة هارفارد يُدعى “جوزيف ناي”. لم يكن “ناي” مجرد منظّر غارق في بطون الكتب، بل كان “مهندساً” في أروقة القرار العالمي، وصفه الكثيرون بـ “الثعلب الأمريكي” نظراً لدهائه وقدرته الفائقة على قراءة موازين القوى. وقد تلمّس الميدان بنفسه حين شغل منصب مساعد وزير الدفاع الأمريكي، ليثبت أن الأفكار قد تكون أمضى من السلاح.
في كتابه التأسيسي “Bound to Lead”، راقب هذا “الثعلب” موازين القوى الدولية، ليستنبط حقيقة مفادها أن القوة ليست وجهاً واحداً؛ فهناك قوةٌ خشنة تفرض إرادتها عبر فوهات المدافع وسطوة المال، وأطلق عليها “القوة الصلبة”، وهناك قوةٌ أخرى “سحرية” تجعل الآخرين ينجذبون إليك طواعية دون إكراه، وهي ما سماها “القوة الناعمة”. وقد صاغ دستوره الشهير في جملة بليغة:
”في السياسة، ليس الأهم مَن يمتلك عضلاتٍ أقوى، بل الأهم مَن يمتلك حكايةً أجمل ويجعل العالم يصدقها!”
وفي المطبخ السياسي المصري، برز عملاقان استوعبا هذه اللعبة جيداً، فصاغ كل منهما روايته ببهارات مختلفة، وفرضا “حكايتهما” رغم تعقيد الأجندات الدولية:
السادات.. كاريزما “القوة الذكية”
لم يكن الرئيس السادات مجرد زعيم يلقي خطاباً، بل كان حالةً ذهنية أدركت مبكراً عبقرية “القوة الذكية” (Smart Power)؛ تلك التي تزاوج بين السلاح والدبلوماسية. استدعى السادات جذوره الصعيدية بشموخها، واستثمر كاريزمته الفطرية التي تأسر الأبصار.
حين شدّ الرحال إلى “الكنيست”، لم يذهب ليفاوض بالورقة والقلم فحسب، بل ذهب ليزلزل العقول بـ “صدمة المبادرة”. ببدلته الأنيقة، وغليونه الشهير، وثباته الانفعالي الذي يدرّس، قدّم للعالم “حكاية بطل” ينشد السلام من موضع المنتصر. لقد استخدم القوة الصلبة في أكتوبر ليشيّد المنصة، ثم استخدم القوة الناعمة ليقنع العالم برؤيته، فاستعاد الحقوق بذكاء “الحاكي” قبل براعة “المقاتل”.
مبارك.. “الخيوط الحريرية” وقوة الاستقرار
أما الرئيس مبارك، فقد دخل المطبخ السياسي بعقلية “النفس الطويل” وحبال الحرير. لم يجنح للصدمات الكبرى، بل استثمر في “الرصيد الحضاري” المصري وقواها الناعمة الكامنة التي تنفذ إلى الوجدان العربي دون استئذان.
عبر الفن، والدراما، واللهجة التي سكنت كل بيت عربي، ظلت القاهرة في عهده هي “الميزان”. جعل من مصر “الوسيط الذي لا بديل عنه”، و”عمود الخيمة” الذي يضمن توازن الجميع. كانت قوته تكمن في “ثبات الرواية” وهدوئها، مما أقنع المحيط الإقليمي لعقود بأن مصر هي “الأخ الأكبر” الذي يحتوي الجميع تحت عباءته.
من أروقة السياسة إلى معترك الحياة
إن هذه الفلسفة ليست حبيسة صالونات الدبلوماسية، بل هي في صميم علاقاتنا الإنسانية؛ فنحن في حياتنا نستخدم أحياناً “أسلوب الصدمة” لنرسم حدوداً حاسمة، وأحياناً نلوذ بـ “القوة الناعمة” عبر الكلمة الطيبة والمرونة السياسية.
والفطن حقاً هو مَن يتقن فن “القوة الذكية”؛ فيعرف متى يشد الحبل ومتى يرخيه، وكيف يبحر بمركبه وسط أمواج “الأجندات” وتعقيدات الحياة دون أن يغرق.
الخلاصة:
لكي تنتصر في “مطبخ الكبار” أو في معارك الحياة اليومية، ليس بالضرورة أن تسحق خصمك؛ بل الأهم أن تكون حكايتك “أصدق وأبهى” لتلامس القلوب. فالقوة الحقيقية لا تكمن في إرغام الآخرين على فعل ما تريد، بل في جعلهم “يرغبون” فيما تريد!



