مقالات

وزراء ومحافظون لا نعرفهم ولا يعرفوننا

بقلم ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، والرئيس الأسبق للهيئة العامة لتعليم الكبار

في كل دولة، تُعد المناصب التنفيذية العليا كالوزراء والمحافظين حلقة الوصل الأساسية بين الدولة والمواطن. هم من يُفترض أن يحملوا هموم الناس، ويترجموا احتياجاتهم إلى سياسات وقرارات ملموسة. لكن الواقع الذي نعيشه يطرح سؤالًا صادمًا: كم وزيرًا أو محافظًا نعرفه حقًا؟ وكم منهم يعرفنا، أو يشعر بنا؟
الحقيقة أن هناك عددًا غير قليل من المسؤولين—إلا من رحم ربي—يمرون علينا مرور الظلال. لا نعرف أسماءهم، وإن عرفناها لا نعرف ماذا يفعلون، ولا ما هي الوزارات أو المحافظات التي يتولون إدارتها. لا يظهرون في الإعلام، ولا يتواجدون في الشارع، ولا حتى داخل المؤسسات التي تقع تحت مسئوليتهم بشكل يلمسه المواطن. وكأن العلاقة بينهم وبين الناس مقطوعة، أو لم تُبنَ من الأساس.
الأمر لا يتوقف عند حدود الغياب أو ضعف الظهور، بل يمتد إلى تساؤلات أعمق: كيف وصل هؤلاء إلى مناصبهم؟ وعلى أي أساس تم اختيارهم؟ ما هي خبراتهم؟ وما الذي يميزهم عن غيرهم؟ بل إننا في بعض الحالات—حين تتوفر معلومات—نجد أن السيرة الذاتية لا تليق بحجم المسؤولية، أو أن هناك شبهات، بل وأحيانًا وقائع مثبتة تتعلق بتزوير أو أحكام قضائية، ومع ذلك يستمر البعض في مواقعهم، بل ويتم التجديد لهم.
هذا الواقع يخلق فجوة كبيرة بين المواطن والدولة، ويعزز شعورًا عامًا بأن هناك من يتخذ القرارات بعيدًا عن الناس، بل وأحيانًا ضد مصالحهم. وكأن صوت المواطن لا يُسمع، أو لا يُعتد به. وهنا يبرز السؤال المشروع: أليس من حق الشعب أن يعرف من يدير شؤونه؟ أليس من حقه أن يرى أثر هؤلاء المسؤولين في حياته اليومية؟
إن إدارة دولة بحجم وتحديات كبيرة تتطلب أكثر من مجرد شغل منصب. تحتاج إلى رؤية واضحة، وفكر قادر على التطوير، وشخصيات تمتلك الكفاءة والخبرة، وتؤمن بالمسؤولية لا بالمكانة فقط. كما تحتاج إلى معايير شفافة في الاختيار، تقوم على الجدارة لا المجاملة، وعلى القدرة لا العلاقات.
كذلك، فإن احترام إرادة الناس لا يعني بالضرورة أن يختاروا المسؤولين بشكل مباشر، لكنه يعني على الأقل أن تكون هناك آليات للمحاسبة، ووضوح في الأداء، وإمكانية لتقييم من يستحق الاستمرار ومن يجب أن يرحل. فالمناصب العامة ليست ملكًا لأحد، بل هي تكليف مؤقت لخدمة المجتمع.
ربما بدأنا نفهم الآن أحد أسباب تأخرنا في كثير من المجالات. ليس فقط نقص الموارد أو صعوبة الظروف، بل أيضًا وجود من لا يمتلكون الكفاءة الكافية في مواقع لا تحتمل الخطأ. فحين يغيب الشخص المناسب عن المكان المناسب، تصبح النتائج طبيعية: بطء في الإنجاز، ضعف في الأداء، وفجوة متزايدة بين الدولة ومواطنيها.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من هنا: من اختيار من يستحق، ومحاسبة من يقصّر، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمسؤول. عندها فقط، يمكن أن نقول إن هناك من نعرفهم… ويعرفوننا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى