« قراءة في “اتفاق التهدئة” بين واشنطن وطهران وتأثيراته على جبهات المواجهة»

بقلم:«محمد عمر» نائب رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري. في تحول دراماتيكي يعيد رسم خارطة التوازنات في الشرق الأوسط، جاء الإعلان عن “اتفاق التهدئة” بين الولايات المتحدة وإيران ليقطع الطريق أمام حرب إقليمية كانت قاب قوسين أو أدنى من الاشتعال الشامل. ومع اقتراب موعد التوقيع الرسمي في سويسرا، تبرز تساؤلات جوهرية حول حقيقة هذا الاتفاق وما إذا كان يمثل سلاماً مستداماً أم مجرد استراحة محارب في منطقة لا تعرف الهدوء.
(ثنائية التهدئة والميدان: غزة ولبنان كبوصلة)
لا يمكن فصل هذا الاتفاق عن الجبهات الساخنة؛ ففي قطاع غزة، يطرح الاتفاق تساؤلات حول مستقبل العمليات العسكرية. إن التزام طهران (بموجب التفاهمات) بتهدئة التصعيد يضع الفصائل المرتبطة بها أمام واقع جديد، حيث تصبح “الاستراتيجية الميدانية” مرهونة بمسار المفاوضات الكبرى.
أما على الجبهة اللبنانية، فإن وقف العمليات العسكرية يمثل متنفساً ضرورياً لمنع انزلاق لبنان نحو سيناريو تدميري شامل. ومع ذلك، فإن مراقبين يرون أن هذه “الهدنة” تظل هشة؛ إذ إنها لم تعالج بعد جذور الأزمة، بل جمدت الصراع لمنع خروجه عن السيطرة الدولية.
(المأزق الصهيوني: حسابات الربح والخسارة)
بالنسبة للجانب الصهيوني، يمثل هذا الاتفاق تحدياً استراتيجياً معقداً. فمن جهة، يمنح الاتفاق تل أبيب “حصانة” مؤقتة من الصواريخ والتهديدات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة، مما يقلل من وتيرة الاستنزاف الأمني. ومن جهة أخرى، يثير قلق النخب السياسية والأمنية هناك، التي ترى في هذا الاتفاق “إطلاق يد” لإيران بعيداً عن الطوق العسكري الذي كان يضيق حولها، مما يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية وتقوية نفوذها في لبنان وغزة عبر قنوات “العمل السياسي” بدلاً من “المواجهة العسكرية”.
إن تل أبيب تشعر اليوم أن واشنطن قد وضعت “أولويات الطاقة والاستقرار العالمي” فوق “التحفظات الأمنية الإقليمية”، وهو ما يضع الحكومة هناك في مأزق دبلوماسي حقيقي؛ فالمضي قدماً في سياسات التشدد بعد هذا الاتفاق قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الرؤية الأمريكية الجديدة للمنطقة.
تحليل منطقي: “سلام المصالح” أم “سلام المبادئ”؟
إن التحليل المنطقي لهذا الاتفاق يشير بوضوح إلى أنه “سلام مصالح” بحت. الولايات المتحدة بحاجة لخفض أسعار النفط وضبط إيقاع المنطقة في ظل أزمات اقتصادية عالمية، وإيران بحاجة لكسر الحصار البحري لاستعادة عافيتها الاقتصادية.
هذا الاتفاق لا يعالج الصراع العربي الصهيوني، ولا يحل المعضلات التاريخية في فلسطين ولبنان، بل إنه “يؤطر” هذه الصراعات ضمن غرف مغلقة للمفاوضات، بعيداً عن الانفجار الميداني.
الاستنتاج:( أفق مفتوح على كل الاحتمالات)
يبقى السؤال الأهم: ما هو مصير الأطراف التي كانت تعول على المواجهة؟ إن الستين يوماً القادمة ستكون هي الاختبار الحقيقي. فإذا أدى الاتفاق إلى “تفكيك” تدريجي لأدوات الصراع في غزة ولبنان مقابل ضمانات أمنية واقتصادية، فقد نشهد مرحلة من الاستقرار النسبي. أما إذا ظل الاتفاق مجرد واجهة بينما تستمر الأذرع في العمل تحت السطح، فإن المنطقة ستكون أمام موجة جديدة من التصعيد، ولكن هذه المرة ستكون أكثر تعقيداً وخطورة.
في نهاية المطاف، يبقى الميدان في غزة والجنوب اللبناني هو الحكم؛ فالعبرة ليست بما سيُكتب في أوراق سويسرا، بل بما سيحدث على الأرض، حيث لا تزال القضايا العادلة للشعوب هي المحرك الأساسي الذي لا يمكن لأي اتفاقات دولية أن تغفله طويلاً.




