المدرسة في عيون أولياء الأمور في مصر: بين الواقع والتحديات

بقلم ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية،والرئيس الأسبق للهيئة العامة لتعليم الكبار.
لم تعد المدرسة في مصر تثير في نفوس أولياء الأمور ذلك الاطمئنان القديم، بل باتت — في كثير من الأحيان — مصدر قلق يومي وسؤال مفتوح بلا إجابة: ماذا يتعلم أبناؤنا حقًا داخل هذه الجدران؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الواقع يختزل أزمة عميقة تضرب جذور العملية التعليمية. فالمفارقة الصادمة أن المؤسسة التي يفترض أن تكون قلب التعلم، أصبحت في نظر كثيرين مجرد ممر إجباري نحو الامتحان، بينما ينتقل التعلم الحقيقي إلى خارجها، حيث تهيمن الدروس الخصوصية بلا منازع.
لقد نشأت في مصر منظومة تعليمية موازية لا تقل نفوذًا عن التعليم الرسمي، بل تتفوق عليه في التأثير. ولم يعد الأمر مجرد ظاهرة هامشية، بل تحول إلى “قاعدة” يتعامل معها الجميع وكأنها قدر لا مفر منه. وهنا يكمن الخلل الأخطر: حين تتحول الاستثناءات إلى قواعد، وتصبح المدرسة نفسها استثناءً في عملية يفترض أنها تقودها. الدراسات التربوية التي تناولت ما يُعرف بـ”التعليم الظلي” تشير بوضوح إلى أن الاعتماد المفرط على الدروس الخصوصية ليس فقط نتيجة لضعف المدرسة، بل أصبح أيضًا سببًا في استمرار هذا الضعف، في دائرة مفرغة يدفع ثمنها الطالب والأسرة والمجتمع.
والواقع أن أولياء الأمور — رغم شكواهم المستمرة — ليسوا خارج هذه الدائرة، بل هم جزء فاعل فيها. فمن ناحية، يعبرون عن عدم ثقتهم في المدرسة، ومن ناحية أخرى، يكرسون هذا الواقع حين يسارعون إلى حجز الدروس قبل أن يبدأ العام الدراسي، وكأنهم يعلنون مبكرًا فشل المدرسة قبل أن تُمنح حتى فرصة المحاولة. هذا السلوك، وإن كان مفهومًا في ظل الخوف على مستقبل الأبناء، إلا أنه يسهم — دون قصد — في إضعاف ما تبقى من دور المدرسة، ويمنح شرعية كاملة لمنظومة تعليمية موازية لا تخضع في كثير من الأحيان لأي معايير تربوية حقيقية.
ولا يمكن إنكار أن المدرسة نفسها تتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤولية. ففصول مكتظة، ومناهج متخمة، وأساليب تدريس تقليدية، ونظم تقييم تقيس القدرة على الحفظ أكثر مما تقيس الفهم — كلها عوامل تجعل من الصعب على الطالب أن يجد داخل المدرسة ما يغنيه عن البحث خارجه. لكن الأخطر من ذلك هو حالة “التعايش الصامت” مع هذا الواقع، حيث لم يعد هناك إنكار للأزمة، بل نوع من القبول الضمني بها، وكأننا أمام نظامين تعليميين يعملان جنبًا إلى جنب دون أن يسعى أحد بجدية لدمجهما أو إصلاح أحدهما.
إن النقد هنا لا يستهدف جلد الذات بقدر ما يسعى إلى كشف التناقض الصارخ بين ما نعلنه من أهداف تعليمية طموحة، وما نمارسه فعليًا على أرض الواقع. فنحن نتحدث عن الإبداع والتفكير النقدي، بينما نكافئ الحفظ والتلقين. ونرفع شعارات تكافؤ الفرص، بينما نرسخ واقعًا يصبح فيه التعليم الجيد امتيازًا لمن يملك القدرة على الدفع. وهذه مفارقة لا يمكن السكوت عليها، لأنها تمس جوهر العدالة الاجتماعية قبل أن تمس جودة التعليم.
غير أن الخروج من هذه الأزمة لا يمكن أن يُلقى على عاتق الدولة أو المدرسة وحدهما، بل يتطلب إعادة تعريف دور أولياء الأمور أنفسهم. فولي الأمر ليس مجرد ممول للعملية التعليمية عبر الدروس الخصوصية، بل شريك حقيقي يجب أن يمارس دورًا واعيًا ومسؤولًا. يبدأ هذا الدور من إعادة النظر في ثقافة “الدرجة أولًا” التي تحكم قرارات الأسرة، إلى تبني رؤية أوسع تضع التعلم الحقيقي في مقدمة الأولويات. كما يمتد إلى متابعة الأبناء داخل المدرسة، والتواصل الجاد مع المعلمين، والضغط الإيجابي من خلال مجالس الأمناء للمطالبة بتحسين الأداء المدرسي بدلًا من الهروب منه.
أما على مستوى الإصلاح، فإن “روشتة العلاج” لا يمكن أن تكون تقليدية في مواجهة أزمة غير تقليدية. نحن بحاجة إلى إعادة بناء الثقة في المدرسة من جذورها، وذلك عبر تمكين المعلم ماديًا ومهنيًا، وتحريره من الضغوط التي تدفعه — أحيانًا — إلى الانخراط في منظومة الدروس الخصوصية. كما يجب إعادة تصميم المناهج لتكون أكثر ارتباطًا بالحياة، وأقل اعتمادًا على الحشو، مع تطوير نظم تقييم تقيس الفهم والمهارة لا مجرد استرجاع المعلومات. ولا يقل عن ذلك أهمية تقليل كثافة الفصول، وتوظيف التكنولوجيا بشكل فعّال، لا كشعار، بل كأداة حقيقية لتحسين التعلم.
وفي الوقت نفسه، لا بد من مواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية بواقعية، لا بقرارات شكلية، من خلال دمج بعض أشكال الدعم التعليمي داخل المدرسة نفسها، وتقديم بدائل مجانية أو منخفضة التكلفة ذات جودة حقيقية. والأهم من ذلك كله هو إطلاق حوار مجتمعي صريح يعيد طرح السؤال الجوهري: ماذا نريد من التعليم؟ هل نريده مجرد وسيلة لعبور الامتحان، أم أداة لبناء إنسان قادر على التفكير والعمل والإبداع؟
إن المدرسة لن تستعيد مكانتها بقرار إداري، بل بتغيير ثقافة كاملة يشترك في صياغتها الجميع. وعندما يدرك ولي الأمر أن اختياره اليومي بين الاعتماد على المدرسة أو استبدالها ليس قرارًا فرديًا فحسب، بل موقفًا يسهم في تشكيل مستقبل التعليم بأكمله، عندها فقط يمكن أن تبدأ ملامح التغيير الحقيقي في الظهور. وحتى يحدث ذلك، ستظل المدرسة تدفع ثمن أزمة يعرفها الجميع، لكن قليلين فقط يملكون شجاعة مواجهتها.



