تريثي أيتها الحكومة في تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي دعوا المركب تسير ولا تحدثوا بها ثقبا

كتب : كامل السيد
في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة، وارتفاعات متتالية في الأسعار، وتآكل القوة الشرائية لمحدودي الدخل وأصحاب المعاشات والعاملين بأجر، يصبح من الضروري التريث قبل الإقدام على تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي.
فنجاح الدعم النقدي يفترض وجود سوق منضبطة، ومنافسة حقيقية، وأجهزة رقابية قادرة على مواجهة الاحتكار والتلاعب بالأسعار. أما في ظل سوق تعاني من اختلالات واضحة، وعجز الحكومة حتى الآن عن ضبط أسعار عدد محدود من السلع الأساسية، فإن تحويل الدعم إلى مبالغ نقدية قد يؤدي عملياً إلى انتقال عبء التضخم بالكامل إلى المواطنين، بينما تتآكل قيمة الدعم سريعاً مع كل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
ويبدو أن الدافع الرئيسي وراء هذا التوجه هو البحث عن معالجات مالية تخفف أعباء الموازنة العامة، وهو هدف مفهوم من الناحية المالية، لكنه لا ينبغي أن يتحقق على حساب الفئات الأكثر احتياجاً التي أنهكتها موجات الغلاء المتلاحقة. فالدعم ليس بنداً محاسبياً فقط، بل أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار المجتمعي.
كما أن المواطنين يتساءلون: لماذا يُطرح الحديث عن ترشيد دعم محدودي الدخل بهذه الحدة، بينما تُقدَّم حوافز وإعفاءات واسعة تحت مسمى “تشجيع الاستثمار” دون أن تُدرج ضمن مفهوم الدعم؟ إن العدالة تقتضي أن تتحمل جميع الأطراف نصيبها من الأعباء وفقاً لقدراتها.
إن الأوضاع الحالية لا تحتمل مزيداً من الضغوط على المواطنين. فحالة القلق والتذمر أصبحت ملموسة في الشارع، والناس لم تعد تبحث عن مزايا إضافية، بل عن القدرة على توفير احتياجاتها الأساسية. ومن ثم فإن أي قرار اقتصادي كبير يجب أن يسبقه قياس دقيق لأثره الاجتماعي، والاستماع إلى مختلف الآراء، وعدم الاكتفاء بالحسابات المالية المجردة.
إن مصر اليوم بحاجة إلى اصطفاف وطني حقيقي يوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضرورات الحماية الاجتماعية، فاستقرار المجتمع وأمنه الوطني لا يقلان أهمية عن تحقيق التوازنات المالية، بل إن أحدهما لا يستقيم دون الآخر.
لذلك فإن الحكمة تقتضي التريث، وإحكام الرقابة على الأسواق أولاً، وضمان حماية القوة الشرائية للمواطنين، قبل الانتقال إلى أي نظام جديد للدعم قد تكون نتائجه الاجتماعية أكبر كلفة من وفوراته المالية.




