بين مطرقة الحصص وسندان التحالف: هل دخلت “أوبك+” مرحلة تكسير العظام؟

تحليل بقلم «محمد عمر» نائب رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري
في مشهد يعيد للأذهان الصراعات التاريخية على الحصص السوقية، تضج الأوساط الاقتصادية مؤخراً بتقارير حول “تحركات تأديبية” محتملة داخل أروقة منظمة “أوبك+”، بقيادة المملكة العربية السعودية، رداً على ما وُصف ببوادر خروج إماراتي عن النص المتفق عليه للمنظمة. ومع تداول أنباء عن اتفاق مبدئي لرفع الإنتاج بنحو 188 ألف برميل يومياً في يونيو، يبرز التساؤل الجوهري: هل نحن بصدد “حرب أسعار” جديدة تهدف لإغراق السوق، أم أنها إعادة ضبط لموازين القوى؟
1. لغة الأرقام: رفع الإنتاج أم استعادة السيطرة؟
الاتفاق المبدئي على زيادة طفيفة في الإنتاج لا يُعد بالضرورة “إغراقاً” بالمعنى التقني، لكنه يحمل رسالة سياسية مشفرة. فالسعودية، بصفتها “المنتج المرجح” (Swing Producer)، تمتلك القدرة على توجيه دقة الإنتاج بما يخدم استقرار الأسعار أو يضغط على المنافسين.
الهدف التكتيكي: إرسال إشارة مفادها أن الاستفراد بالقرار خارج مظلة “أوبك+” سيعرض المتمردين لمخاطر انخفاض الأسعار عالمياً، مما يقلص العوائد التي يطمحون لتحقيقها من زيادة إنتاجهم المنفرد.
2. الإمارات وتحدي “السعة الإنتاجية”
لطالما طالبت أبوظبي برفع حصتها الرسمية بما يتناسب مع استثماراتها الضخمة لزيادة سعتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً. هذا الطموح اصطدم مراراً بسقف التخفيضات الذي تفرضه السعودية للحفاظ على توازن الأسعار فوق مستويات $80.
المنظور الاقتصادي: الخلاف ليس مجرد “لعب كبار”، بل هو تضارب بين رؤيتين؛ رؤية سعودية تركز على “القيمة” (السعر العالي)، ورؤية إماراتية تميل لـ “الحصة السوقية” (حجم المبيعات).
3. سيناريو “الإغراق”: السلاح ذو الحدين
الحديث عن “إغراق السوق” هو الخيار النووي في سياسة الطاقة. إذا قررت الرياض فتح الصنابير بالكامل:
النتيجة المباشرة: انهيار حاد في الأسعار قد يهبط بها إلى ما دون $50.
الأثر على الإمارات: تضرر ميزانيتها التي تعتمد على الإنتاج العالي بأسعار مستقرة.
المخاطرة: السعودية أيضاً ستتحمل ضغوطاً مالية، لكنها تراهن على “نفسها الطويل” واحتياطياتها الضخمة وقدرتها على تحمل كلفة إنتاج هي الأقل عالمياً.
4. ميزان القوى: “أوبك+” تحت الاختبار
التفاف 7 دول خلف الموقف السعودي يعزز من شرعية “القيادة الجماعية” ويجعل الموقف الإماراتي يبدو كـ “تغريد خارج السرب”. إن نجاح السعودية في حشد هذا التوافق المبدئي هو بمثابة “تمرين قوة” لإثبات أن المنظمة ما زالت تدار من الرياض، وأن قواعد اللعبة لا تتغير بقرار أحادي.
الخلاصة: هل هي القطيعة؟
رغم النبرة التصعيدية، يبقى قطاع النفط محكوماً بـ “البراغماتية الصرفة”. “حرب الإغراق” ليست نزهة لأي طرف، لكنها تظل الخيار الأخير لفرض الانضباط. ما نشهده الآن هو “دبلوماسية الخشونة”؛ حيث تُستخدم أرقام الإنتاج كأدوات ضغط سياسي لإجبار كافة الأطراف على العودة إلى طاولة التفاوض تحت السقف السعودي، قبل أن تتحول المناوشات إلى مواجهة مفتوحة قد تحرق أخضر الأسواق ويابس الميزانيات.




