اقتصاد

التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان

بقلم« محمد عمر» نائب رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري.
في كل مرة تشتد فيها الأزمة الاقتصادية، يجد المواطن نفسه أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، وزيادات متتالية في تكلفة المعيشة، بينما تتراجع قدرته على تلبية أبسط احتياجاته اليومية. وبينما يكافح ملايين المصريين لتوفير الغذاء والدواء ومتطلبات الحياة الأساسية، تتواصل الإعلانات عن مشروعات عملاقة ومدن جديدة وشبكات نقل حديثة تُقدَّم باعتبارها إنجازات تاريخية ترسم ملامح المستقبل.
لا أحد يعارض التنمية، ولا أحد ينكر أهمية تطوير البنية التحتية أو تحديث وسائل النقل أو إنشاء مدن عصرية تستوعب النمو السكاني. لكن السؤال الذي يتردد على ألسنة البسطاء قبل الخبراء هو: لمن تُقام هذه المشروعات؟ ومن المستفيد الحقيقي منها؟ وهل يشعر المواطن محدود الدخل بثمارها في حياته اليومية؟
إن العامل البسيط الذي يستيقظ قبل شروق الشمس بحثًا عن لقمة العيش، والموظف الذي لم يعد راتبه يكفي منتصف الشهر، ورب الأسرة الذي يقف حائرًا أمام الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات، قد لا يرى في القطارات الكهربائية الفاخرة أو المشروعات العقارية الضخمة حلًا لمشكلاته الملحة. فهو يبحث أولًا عن استقرار الأسعار، وتحسين دخله، وضمان تعليم جيد لأبنائه، ورعاية صحية تحفظ كرامته، وفرصة عمل توفر له حياة آمنة ومستقرة.
لقد أصبح المواطن يسمع كثيرًا عن المليارات التي تُنفق على المشروعات العملاقة، لكنه يتساءل في المقابل عن نصيب القطاعات الإنتاجية من هذه الاستثمارات. أين المشروعات التي تزيد الإنتاج الزراعي؟ وأين المصانع التي توفر فرص العمل وتقلل الاستيراد؟ وأين الخطط التي ترفع القدرة الشرائية للمواطن وتحسن مستوى معيشته بصورة مباشرة؟
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بعدد الكباري والطرق والمدن الجديدة، وإنما تُقاس أيضًا بقدرة مواطنيها على العيش الكريم. فالتنمية التي لا يشعر بها الإنسان في طعامه ودوائه وتعليمه ومسكنه تظل أرقامًا وإنجازات على الورق، مهما بلغت ضخامتها.
ومن حق المواطن أن يتساءل عن جدوى الاستدانة المتكررة إذا كانت نتائجها لا تنعكس بوضوح على حياته اليومية. فالديون ليست مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل التزامات تتحملها الدولة والمجتمع لسنوات طويلة. ولذلك فإن توجيه الموارد يجب أن يخضع لأولويات واضحة تضع الإنسان في قلب عملية التنمية لا على هامشها.
إن مصر تمتلك من الإمكانات والموارد البشرية ما يؤهلها لتحقيق نهضة حقيقية ومستدامة، لكن هذه النهضة لن تكتمل إلا عندما يصبح تحسين حياة المواطن الهدف الأول لكل مشروع وقرار وسياسة. فالمواطن ليس مجرد متفرج على التنمية، بل هو غايتها ووسيلتها في آن واحد.
لقد آن الأوان لأن يصبح السؤال الرئيسي عند تقييم أي مشروع: ماذا سيضيف لحياة المواطن العادي؟ وكم فرصة عمل سيوفر؟ وكيف سيسهم في خفض الأسعار وزيادة الإنتاج وتحسين مستوى المعيشة؟
فالتاريخ لا يخلّد الحكومات التي شيدت المباني فقط، بل يخلّد تلك التي بنت الإنسان، ورفعت مستوى حياته، ومنحته الأمل في مستقبل أفضل. وعندما يشعر المواطن بأن التنمية تعمل من أجله، لا من حوله، يصبح شريكًا حقيقيًا في بناء الوطن، ومدافعًا عن مسيرته، ومؤمنًا بمستقبله.
إن بناء الطرق مهم، وبناء المدن مهم، لكن بناء الإنسان يظل دائمًا المشروع الأعظم والأكثر استحقاقًا للاستثمار والاهتمام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى