مقالات

الهوة .. تستدعي الهوة

 

 

د. ميرغني معتصم

 

 

إنك إن تذرهم..

تستفحل الكوميديا السوداء في التعامل مع مشهد سياسي، ما لم يمارسه إلا القليلون عبر التاريخ..

فمن منا لا يعلم أن المدني الإسرائيلي هو جندي في إجازة، وأن أنصاف الساسة في تل أبيب يركنون إلى هجاء العالم، كل العالم والكذب عليه ببيانية ثعبانية ناعمة الملمس، ظنا أن تلك هي كتف السياسة، وغاب عنهم من أين تؤكل.

إن كانت «الهوة تستدعي الهوة»، كما علمتنا المقولة القديمة، فهناك عنف عندما يسود طغيان، وأن «روبسير» مبتدع عقوبة الموت بالمقصلة إبان الثورة الفرنسية، لقي حتفه تحت نصلها. وهذا، ليس تهديدا تاريخيا، ولا انتقام مقارنات حدثية بإسقاط تراجيديا ألقتل والإبادة الجماعية، بل هو بناء تصوري يؤسسه المنطق ليربط بين مبادئ الاعتداء ونتائج مقاومته، والسلم المقاوم إن لم تثبت جدواه، فإنها الحرب.

وضمن قراءة هذه المواجهة القاسية، تشبث الناشطون بدور خارق، خاضوا أتون تجارب عديدة، فردوا أجنحتهم للريح، وأبحروا في أجواء شبه يائسة، إلى حيث لا وحدة للمكان.. لا شكل للهوية.. لا وردة للشهداء.. ولا حماية من أحد. حيث طوفان الموت دائم، والصراع حتى النفس الأخير بين معادلة خاسرة طرفاها الاستعلاء والقوة وشعب ظل دائما الضحية المقترحة لكل تصفية. هنا، يتساءل حتى الفناء: هل تتم مصادرة غزة عنوة من الذاكرة أم ستزرع من جديد؟.

إنك إن تذرهم..

يرسموا البدايات المستحيلة لتغييب المشروع الكياني السيادي الفلسطيني الذي بشر بالميلاد السياسي الجديد، حين أصبح الحضور الوطني هاجسا عند الجميع، لدى قاطني الخيام.. في ضمير جغرافية المنافي.. فوق ما تبقى من أرض يزاود على رقعتها ماسحو الأحذية وقوادو السياسة بأسماء مستعارة ليست هي سماتهم الوطنية. هناك، في تلك البدايات المستحيلة، لم ينجح ائتلاف تل أبيب في إخراج الفلسطيني من ذاكرته، مثلما نجحوا في تشريده عن وطنه.

إنك إن تذرهم..

يضع حكماء صهيون الجدد، بأيديهم ورغم أنوفهم، المشروع الوطني الذي تبنته دوافع الهوية التي أصبحت كيانا سياسيا ومعنويا جامعا للشعب الفلسطيني، بعد أن دفقت في شرايينها الدماء الحارة المسفوحة بفعل ذلك الخارق الذي اسمه مكونات المناهضة الفلسطينية الماثلة. تلك التي استحالت إلى آليات وأنماط وهياكل مادية متباينة، ففلسطين المغيبة عن أطلس العالم، أصبحت أكثر حضورا في الذاكرة الإنسانية. من ذا الذي لم يطالع، يرى ويسمع باسم فلسطين وقضيتها وجرحها الغائر على امتداد خطوط طول وعرض هذا الكوكب الأصم؟.

إنك إن تذرهم..

يدفعوا العالم نحو الهلع من الولايات المتحدة ليصل إلى ذروته، وانحسار الثقة في قيادتها السياسية، بتجاوز النظر عن الحقوق الأساسية للإنسان عندما تتأرجح في زمن استثنائي من التاريخ، فإن أعراض الـ(بارانويا) السياسية تصبح حادة لتؤرق أولئك الذين يسكنهم القلق على العالم الذي سيتركونه لأحفادهم.

وبما أن مهندسي إدارة الدولة العبرية يمثلون المساحة السوداء لألوان الطيف الإسرائيلي، فإن برامجهم تفصح عن الكثير من الخزي في سياق التاريخ العالمي.

وبتشاؤم أكثر، قد لا تنحاز مواقفهم إلى العقلانية والمنطق داخل نسيج الفكر السائد والمؤسسات التي تجسدها، ولهم في الاحتجاجات التي استشرت عبر العالم، ورصدتها كل منابر الدنيا، تؤكد أنه لاتزال في هذا العالم قوتان عظيمتان، هما الحق والرأي العام العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى