مقالات

إصلاح التعليم بين الشعارات والواقع .. قراءة سياسية في أداء وزير التعليم .

بقلم: أ.د. عصام قمر

الصفة: القائم بعمل رئيس حزب مصر المستقبل و استاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية و التنمية
مقدمة
يمثل التعليم في أي دولة حجر الزاوية في بناء الإنسان، وصمام الأمان الحقيقي لمستقبل الوطن. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم أداء وزير التعليم لا يجب أن يخضع للمجاملات أو الحسابات الضيقة، بل لمعيار واحد فقط: هل تغيّر التعليم إلى الأفضل؟
للأسف، تشير المؤشرات الواقعية إلى أن إدارة وزير التعليم الحالي، محمد عبد اللطيف، لم تُحدث التحول المنشود، بل اكتفت بإدارة أزمة متراكمة دون الاقتراب الجاد من جذورها.
غياب الرؤية الوطنية للتعليم
حتى الآن، لم تُقدَّم رؤية تعليمية متكاملة تُجيب عن أسئلة جوهرية: ما هو شكل الخريج الذي نريده؟ وما علاقة التعليم بسوق العمل وبالهوية الوطنية؟ وكيف ننتقل من الحفظ إلى التفكير؟
اقتصرت السياسات المعلنة على تعديلات إجرائية وتغييرات شكلية، دون وثيقة واضحة أو مشروع قومي يحدد فلسفة التعليم وأهدافه بعيدة المدى، وهو ما يجعل أي إصلاح جزئي بلا أثر مستدام.
استمرار نفس السياسات القديمة
رغم الحديث المتكرر عن “التطوير”، ما زالت المنظومة التعليمية تعاني من مناهج مثقلة بالحشو، وامتحانات تقيس التذكر لا الفهم، وضغط نفسي غير مبرر على الطالب والأسرة.
لم يشعر الطالب داخل الفصل بأي نقلة نوعية حقيقية، وبقي الدرس الخصوصي هو البديل الفعلي للتعليم الرسمي، وهو اعتراف غير مباشر باستمرار الفشل.
المعلم خارج معادلة الإصلاح
لا يمكن الحديث عن إصلاح تعليمي دون تمكين المعلم. إلا أن الواقع يشير إلى غياب تحسن جوهري في الأوضاع المعيشية، وتدريب غير كافٍ أو شكلي، وإقصاء المعلمين عن المشاركة في صنع القرار.
في كثير من الحالات، تُعلن قرارات جديدة دون إعداد مسبق، ثم يُحمَّل المعلم مسؤولية تعثر التنفيذ، وهو نهج يُضعف المنظومة بدل أن يقويها.
قرارات مركزية بلا حوار مجتمعي
أحد أبرز أوجه القصور يتمثل في أسلوب اتخاذ القرار، حيث تُفرض تغييرات مفاجئة، ويجري الإعلان عنها في توقيتات غير مدروسة، دون حوار حقيقي مع الخبراء والمعلمين وأولياء الأمور.
هذا النهج المركزي يُربك العملية التعليمية، ويعكس عقلية إدارة لا تؤمن بالشراكة المجتمعية، رغم أن التعليم بطبيعته قضية وطنية جامعة.
تآكل الثقة بين الوزارة والمجتمع
حين يتكرر التناقض بين التصريحات الرسمية والواقع داخل المدارس، تتراجع الثقة. فالحديث عن تحسن المنظومة لا ينسجم مع كثافات مرتفعة في الفصول، ومعلم مُنهك، وطالب لا يرى فرقًا ملموسًا في جودة التعليم.
والثقة، حين تُفقد، تصبح أكبر عائق أمام أي إصلاح حقيقي.
مطالب حزب مصر المستقبل لإصلاح التعليم
انطلاقًا من مسؤوليته الوطنية، يطالب حزب مصر المستقبل باتخاذ خطوات واضحة وعاجلة لإصلاح منظومة التعليم، في مقدمتها:
إطلاق مشروع وطني معلن للتعليم بوثيقة رسمية تحدد الفلسفة والأهداف والمخرجات، وترتبط بالهوية الوطنية وسوق العمل، مع جدول زمني ومؤشرات قياس شفافة.
إعادة بناء المناهج على أساس الفهم وتنمية المهارات، وتخفيف الحشو، وتطوير نظام تقييم عادل يقيس التفكير والتحليل لا الحفظ.
تمكين المعلم ماديًا ومهنيًا عبر تحسين الأجور، وتدريب حقيقي مستمر، وإشراكه في صنع القرار كشريك في الإصلاح.
وقف القرارات المفاجئة واعتماد حوار مجتمعي منظم يضم خبراء التربية والمعلمين وأولياء الأمور قبل أي تغييرات مصيرية.
إرساء الشفافية والمحاسبة داخل وزارة التعليم، بإعلان نتائج السياسات بوضوح وتحمل المسؤولية السياسية عن الإخفاق قبل الادعاء بالنجاح.
خاتمة
إن تقييم أداء وزير التعليم لا ينطلق من خصومة شخصية، بل من واجب وطني. فما نشهده اليوم هو إدارة للأزمة أكثر منه مشروع إصلاح، واستمرار لنهج لم يعد قادرًا على تلبية طموحات الدولة ولا آمال المجتمع.
ويؤكد حزب مصر المستقبل أن إصلاح التعليم لم يعد ملفًا مؤجلًا أو ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تمس الأمن القومي وبناء الإنسان المصري.
نحن لا نحتاج إلى إدارة التعليم بعقلية الموظف،
بل إلى قيادة تؤمن أن التعليم هو معركة وعي ومستقبل وطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى