مقالات

الخشن”.. وحبره السري: كيف تُنهَب ٤٠ مليار جنيه تحت عيون الجميع؟!”


ا.د عصام قمر
القائم بعمل رئيس حزب مصر المستقبل

في بلد يُفترض أن تُدار أمواله بحذر، يظهر لنا اسم يحمل من السخرية ما يفوق الخيال: “الخشن”. نعم، خشن في اسمه، لكن كل شيء آخر كان “ناعمًا” إلى حد مريب… قروض بالمليارات، تسهيلات بلا حدود، وأبواب تُفتح وكأنها بلا أقفال.
المفارقة لا تتوقف عند الاسم. رجل أعمال تتراكم عليه القروض حتى تصل إلى نحو ٤٠ مليار جنيه، يعيش حياة أقرب إلى الرفاهية الصاخبة، وزوجة إعلامية تصغره بنحو ٣٥ عامًا، حضور لامع وصورة براقة، وبرنامج بعنوان “حبر سري”. يا لها من مصادفة لافتة… فهل كانت “السرية” هنا مجرد عنوان تلفزيوني؟ أم أنها كانت بالفعل كلمة السر… والمفتاح في نفس الوقت؟
هل كان “الحبر السري” مجرد برنامج، أم أسلوب حياة كامل؟
هل كانت التفاصيل تُكتب فعلًا بحبر لا يُرى… فلا يراها الرقيب، ولا تُقرأ في التقارير، ولا تُحاسَب في الوقت المناسب؟
أي مشهد هذا الذي نعيشه؟ وأي رسالة تُرسل لملايين المصريين الذين يُطلب منهم التقشف والصبر، بينما هناك من تتحرك أموره في صمت… وبـ”حبر سري”؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: ماذا فعل الرجل؟ بل الأهم: من الذي صنع هذا الرجل؟ من الذي فتح له خزائن البنوك؟ من الذي وقّع على هذه القروض؟ من الذي قرر أن المخاطر “مقبولة” عندما نتحدث عن مليارات من أموال الناس؟
كيف تسمح الدولة — بكل أجهزتها الرقابية والمحاسبية — بأن يصل شخص واحد إلى هذا الحجم من الاقتراض دون توقف؟ هل كانت هناك مراجعة حقيقية؟ أم أن هناك من كان يرى ولا يريد أن يرى؟ أو ربما… من كان يرى ويستفيد؟
الأمر لم يعد مجرد خلل إداري، بل يطرح شبهة شبكة من المصالح:
من يسند؟ من يدعم؟ من يحمي؟
أسئلة لا يمكن القفز فوقها أو دفنها تحت تقارير روتينية… أو كتابتها بحبر لا يظهر.
الأكثر إيلامًا أن المواطن البسيط، حين يذهب لطلب قرض صغير، يُقابل بسلسلة طويلة من الشروط والضمانات، بينما تُمنح المليارات هنا وكأنها مجاملة ثقيلة الثمن. أي إجراءات هذه؟ وأي كيان مصرفي هذا الذي يُشدّد على الضعفاء ويتساهل مع الكبار؟
ثم نأتي للحظة الحقيقة: التعثر.
عندما تتوقف هذه القروض عن السداد، لا يدفع الثمن “الخشن” وحده، بل اقتصاد كامل، وثقة شعب، وربما قرارات مالية تمس الجميع.
وهنا يظهر السؤال الأخطر:
هل يمكن أن تكون مثل هذه الكوارث أحد الأسباب غير المعلنة وراء قرارات تمس المواطن، مثل تغيرات في أسعار الفائدة أو العوائد البنكية؟
قد لا تكون الإجابة مباشرة، لكن المؤكد أن الفاتورة لا تضيع… بل تُعاد توزيعها.
القضية لم تعد قصة رجل وزوجته وبرنامج “حبر سري”، بل قصة منظومة سمحت، وسكتت، وربما شاركت.
لأن من منح، ومن وافق، ومن لم يراجع، كلهم شركاء في النتيجة.
ما نحتاجه الآن ليس مجرد دهشة أو غضب، بل محاسبة حقيقية:
من وقّع على هذه القروض؟
من قيّم المخاطر؟
من تجاهل التحذيرات إن وُجدت؟
والأهم: هل سنرى أسماء تُحاسب فعلًا، أم ستُغلق القصة كغيرها… في الأدراج، وبـ”حبر سري”؟
في النهاية، تبقى المفارقة الأكبر:
“الخشن” لم يكن خشنًا مع النظام الذي منحه كل شيء،
لكن ما كُتب بحبر سري… دفع ثمنه شعب كامل بواقع قاسٍ وواضح للجميع.
فهل نتعلم هذه المرة؟
أم سننتظر “خشنًا” جديدًا… باسم مختلف، وسيناريو مكرر… وربما برنامج جديد بعنوان مختلف، لكن بنفس “الحبر”؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى