الصمت أخطر من الفضيحة: من يحاسب من في زمن الغموض؟

ا.د عصام قمر
القائم بعمل رئيس حزب مصر المستقبل
في كل مرة تنفجر فيها أزمة كبرى تمس أموال الناس أو استقرار الاقتصاد، لا تكون الصدمة في الحدث نفسه بقدر ما تكون في رد الفعل الرسمي عليه—أو بالأحرى، في غيابه.
قضية مديونية رجل الأعمال محمد الخشن ليست مجرد ملف اقتصادي عابر، بل اختبار حقيقي لمدى احترام حق المجتمع في المعرفة. ومع ذلك، جاء الرد كالمعتاد: صمت، وتجاهل، وترك الساحة مفتوحة لكل رواية، مهما كانت دقتها أو خطورتها.
ما الذي تخشاه الحكومة؟
هل الحقيقة بهذا القدر من الخطورة؟
أم أن الغموض أصبح سياسة، لا استثناء؟
حين تتداول الأرقام بالمليارات، وحين يرتبط الأمر بمؤسسات مصرفية تمس الاقتصاد كله، يصبح الصمت الرسمي ليس فقط تقصيرًا، بل مساهمة مباشرة في خلق الفوضى. لأن الفراغ لا يبقى فراغًا—بل يُملأ فورًا بالشائعات، والتخمينات، وأحيانًا الذعر.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة في لحظة أزمة هو أن تتصرف وكأن الناس لا ترى، أو لا تفهم، أو لا يحق لها أن تسأل. هذه ليست إدارة أزمة، بل إدارة للغياب.
قد يكون من حق الجهات المعنية أن تدير الملف بحذر، وأن تحمي استقرار السوق، لكن ليس من حقها أن تحجب الحد الأدنى من الحقيقة. فالمجتمعات لا تُدار بالصمت، ولا تُحكم بالتجاهل، ولا تُبنى الثقة فيها على الفراغ.
المواطن لا يطلب المستحيل. لا يطلب أسرارًا سيادية، ولا تفاصيل تفاوضية معقدة. ما يطلبه ببساطة هو إجابة واضحة: ماذا يحدث؟ وما الذي يتم فعله؟ وإلى أين تتجه الأمور؟
لكن ما يحدث هو العكس تمامًا. صمت يمتد، وغموض يتراكم، حتى تتحول أي واقعة إلى “قصة مفتوحة” يكتبها الجميع، في غياب صاحب الرواية الحقيقي.
وهنا تكمن الكارثة الأكبر: حين تفقد الدولة قدرتها على رواية الحقيقة في وقتها، تفقد معها جزءًا من ثقة الناس. والثقة، حين تتآكل، لا تُستعاد ببيان متأخر، ولا بتوضيح بعد فوات الأوان.
إن تكرار هذا النمط لم يعد مقبولًا. فكل أزمة تُدار بالصمت، تزرع أزمة أكبر في الوعي العام. وكل مرة يُترك فيها المواطن فريسة للتكهنات، تتسع الفجوة بينه وبين مؤسسات يفترض أنها تعمل من أجله.
الشفافية ليست رفاهية سياسية، بل التزام أخلاقي وإداري. وتأجيلها لا يحل الأزمات، بل يضاعفها. والتعامل مع الناس باعتبارهم آخر من يعلم، لم يعد خيارًا ممكنًا في زمن تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح:
إذا لم تتحدث الدولة في الوقت المناسب، فمن يملك رواية الحقيقة؟
لأن الصمت هنا لم يعد حيادًا… بل موقف.
ومع كل صمت، تصبح الشائعة أقوى، والحقيقة أضعف.
وفي النهاية، قد تمر هذه الأزمة كما مرت غيرها، لكن ما يبقى هو هذا السؤال العالق:
هل الخطر في ما حدث… أم في الطريقة التي تم بها تجاهله؟
ربما كانت الفضيحة صادمة،
لكن المؤكد أن الصمت… كان أفدح.




