رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الميزان الحق

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الميزان الحق
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الميزان ” ليس مجرد آلةٍ للقياس، بل هو روحُ العدالة، وناموسُ الوجود، وسرُّ استقامةِ الكونِ والشرع.بقلم
أولاً: الميزان الكوني.. هندسة الوجود واتزان الخلق
لقد بدأ اللهُ سبحانه وتعالى خَلْقَه بالتوازن، فكلُّ شيءٍ في هذا الكونِ موزونٌ بمقدارٍ دقيق، من حركة الأفلاك إلى أنفاسِ الكائنات.
● التوازن في الخلق والإبداع:
إنَّ الميزانَ هو العدلُ الذي قامت به السموات والأرض، فلو اختلَّ جزءٌ من المليون من هذا التوازن لانهدمَ الكون.
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن، رقم: ٧].
ويقول سبحانه: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر، رقم: ١٩].
● الميزان هو الحجة والشرع:
الميزان في الآيات لا يقتصر على الآلة الحسية، بل يشملُ العدل والشرع الذي أنزله الله ليحكم بين الناس.
﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى، رقم: ١٧].
ثانياً: موازين الدنيا.. (الأمانة الفقهيةوالمسؤولية الأخلاقية)
* في الفقه الإسلامي، الميزان هو أمانةٌ في أعناقِ المتبايعين، وهو معيارٌ للنزاهة والتقوى.
● حرمة تطفيف المكاييل:
لقد أهلك اللهُ أمماً بسبب التلاعب بالميزان، فالميزانُ الظاهرُ انعكاسٌ لميزان الباطن (الضمير).
قال تعالى:
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين، رقم: ١-٣].
وقال سبحانه :
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء، رقم: ٣٥].
● السنة النبوية وحماية الحقوق:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فحسَّنوا الكيل بعد ذلك.
حسن : أخرجه النسائي في السنن الكبرى، وابن ماجه واللفظ له
• عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا وَزَنْتُمْ فَأَرْجِحُوا»
أخرجه ابن ماجه في سننه.
ثالثاً: ميزانُ الآخرة.. حيثُ العدلُ المطلقُ والمصيرُ الأبدي
هذا هو الميزان الأكبر، الذي تُنصب موازينه يوم القيامة لتوزن فيه الأعمال، والنيات، بل وأصحاب الأعمال أنفسهم.
●الايمان بالميزان .
-إن من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بالميزان، والمقصود به: الميزان الذي يُوزن به أعمال العباد من خير أو شر، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (47)} [الأنبياء].
وقال تعالى: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون (103)} [المؤمنون].
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»
البخاري، وصحيح مسلم.
● متى يكون الميزان ؟
* قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها .
فالميزان يكون بعد عرض الأعمال على العباد وتطايُر الصحف؛ ليكون الجزاء بحسبها، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يُوضَعُ الميزانُ يومَ القيامةِ، فلو وُزن فيه السماواتُ والأرضُ لوزنهما، فإذا رأته الملائكةُ قالت: يا ربِّ: لمن يزن هذا؟! قال: لمن شئتُ من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانكَ ما عبدناكَ حقَّ عبادتك”. (السلسلة الصحيحة).
● حقيقة الميزان الأخروي:
الميزان يوم القيامة له كفتان ولسان حسيتان مشاهدتان، وهو ميزان حقيقي يدركه العباد بصرًا ويقينًا.
قال تعالى :
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء، رقم: ٤٧].
فالميزان دقيق جِدًّا، يزن كل صغيرة وكبيرة، وكل شاردة وواردة، ولو كان مثقال ذرة، وكيف لا يكون دقيقًا وواضعه هو أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين -سبحانه وتعالى-، يقول الله -جل جلاله-: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزلزلة: 7-8].
● ما الذي يوضع في الميزان.
* الذي يوضع في الميزان يوم القيامة ليوزن؛ ثلاثة أشياء:
الأول: الأعمال نفسها، والثاني: هو العامل نفسه، والثالث: هي صحائف الأعمال.
وقد دلَّت النصوصُ الثابتةُ من الكتاب والسُّنَّة على أن كل واحد من هذه الثلاثة يُوزَنُ.
يقول الشيخ حافظ حكمي -رحمه الله-: “والذي استظهر من النصوص -والله أعلم- أن العامل وعمله وصحيفة عمله، كلُّ ذلك يُوزن؛ لأن الأحاديث التي في بيان القرآن، قد وردت في كل ذلك، ويدل كذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه بن عمرو رضي اللهُ عنهما: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يَستَخلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا (هو الكتاب الكبير)،كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: أَلَكَ عُذْرٌ أو حَسَنَةٌ؟ فيُبهَتُ الرَّجُلُ (فيبهت الرجل: البهت: الانقطاع والحيرة)، فَيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَاحِدَةً، لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ، فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ (البطاقة: رقعة صغيرة)، فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ فَيَقُولُ: أَحْضِرُوهُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتُ؟! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، قَالَ: فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ (فطاشت السجلات: أي خفت)، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، وَلاَ يَثْقُلُ شَيْءٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
أحمد وقال محققوه: إسناده قوي.
فهذا يدل على أن العبد يُوضع هو وحسناته وصحيفتها في كفة، وسيئاته مع صحيفتها في الكفة الأخرى”.
ان حديث البطاقة من أعظم ما يُروى في تفاصيل الميزان وأدبه، تلك البطاقة التي تطيش بسجلات الذنوب، ويتجلي التوحيد عند الميزان.
● انقسام الناس عند الميزان:
• الفوزُ العظيم: وهو لمن ثقلت كفةُ حسناته على سيئاته.
قال تعالى :
﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة، رقم: ٦-٧].
• الخسرانُ المبين: لمن خفَّت موازينه من الخير وخوت من التقوى.
قال تعالى :
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون، رقم: ١٠٣].
وقال تعالى :
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ)[الأعراف: 8-9]
وهناك قسم ثالث هم أصحاب الأعراف : “الناس إذا كان يوم القيامة انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم ترجح حسناتُهم على سيئاتهم، فهؤلاء لا يُعذبون ويدخلون الجنة، وقسم آخَر ترجح سيئاتُهم على حسناتهم، فهؤلاء مستحقون للعذاب بقدر سيئاتهم ثم يُنجون إلى الجنة، وقسم ثالث سيئاتهم وحسناتهم سواء، فهؤلاء هم أهل الأعراف، ليسوا من أهل الجنة، ولا من أهل النار، بل هم في مكان برزخٍ عالٍ مرتفع يرون النارَ ويرون الجنةَ، يبقون فيه ما شاء الله، وفي النهاية يدخلون الجنة، وهذا من تمام عدل الله -سبحانه- أن أعطى كلَّ إنسان ما يستحق، فمن ترجحت حسناتُه فهو من أهل الجنة، ومن ترجحت سيئاته عُذِّبَ في النار إلى ما شاء الله، وَمَنْ كانت حسناتُه وسيئاتُه متساويةً فهو من أهل الأعراف، لكنها ليست مستقرًّا دائمًا، وإنما المستقر: إما إلى الجنة، وإما إلى النار”. ![]()
إنه موقف صعب في يوم صعب عسير، ولهذا كان من رحمة الله بهذه الأمة أن جعَل رسولها -صلى الله عليه وسلم- يحضر هذا الموقفَ الشديدَ الذي تمر به أمتُه عند وزن الأعمال، يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يشفع لي يومَ القيامة، فقال: “أنا فاعل”، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ: فأين أطلبك؟! قال: “اطلبني أولَ ما تطلبني عند الصراط”، قلتُ: فإن لم ألقكَ على الصراط؟! قال: “فاطلبني عندَ الميزانِ”، قلتُ: فإن لم ألقكَ عندَ الميزانِ؟! قال: “فاطلبني عند الحوض، فإني لا أُخطئ هذه الثلاث المواطن”(رواه أحمد).
● عند الميزان، لا يَذكر أحدٌ أحدًا .
* تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-: “ذكرتُ النارَ فبكيتُ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما يُبكيكِ؟!” قلتُ: ذكرتُ النارَ فبكيتُ، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟! فقال -صلى الله عليه وسلم-: “أمَّا في ثلاثة مواطن فلا يَذكر أحدٌ أحدًا: عند الميزان، حتى يعلم أيخف ميزانُه أم يثقل، وعند تطايُر الصُّحُف حتى يَعلم أين يقع كتابُه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره، وعندَ الصراطِ إذا وُضع بين ظهراني جهنمَ حتى يجوز”.
● هل الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام؟ .
والجواب عن هذا أن يقال: إن اللَّه سبحانه وتعالى يجعل هذه الأعمال أجسامًا، وليس هذا بغريب على قدرة اللَّه عزَّ وجلَّ، وله نظير وهو الموت فإنه يجعل على صورة كبش ويذبح بين الجنة والنار، مع أن الموت معنى وليس بجسم؛ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ (زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: «فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»، وَاتَّفَقَا فِي بَاقِي الْحَدِيثِ) فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ! هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون (39)} [مريم]، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا
مسلم ، وصحيح البخاري.
● فائدة الميزان.
قد يقول قائل: ما فائدة الميزان؟! واللَّه عزَّ وجلَّ يعلم أعمال العباد من خير أو شر.
قال ابن أبي العز الحنفي: ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه وتعالى لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من اللَّه، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطِّلاع لنا عليه؟!
قال القرطبي: إن الحوض قبل الميزان، والصراط بعد الميزان
شرح العقيدة الطحاوية .
هكذا ترتيب مشاهد يوم القيامة.
رابعاً: من آثار الإيمان بميزان الأعمال:
● أولاً: الاجتهاد في الطاعات والمسارعة إلى الخيرات، فإن من زادت حسناته على سيئاته أفلح ونجح، قال تعالى: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُه (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه (
فَأُمُّهُ هَاوِيَة (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه (10) نَارٌ حَامِيَة (11)} [القارعة].
● ثانيا: المحافظة على الحسنات مما يبطلها أو ينقصها؛ روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه: أن رسول اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ؛ فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، يَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَاتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»
مسلم.
وروى ابن ماجه في سننه من حديث ثوبان رضي اللهُ عنه: عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه قال: «لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَاتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عزَّ وجلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ؛ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَاخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَاخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا»
ابن ماجه ، وصححه العلماء .
● ثالثا : بيان عدله سبحانه وتعالى، وأنه يضع الموازين العادلة التي يبيِّن فيها مثاقيل الذر التي توزن بها الحسنات والسيئات، كما في الآية {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (47)} [الأنبياء]؛ {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ}: التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، كما قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (8)} [الزلزلة].
خامسا : ما الذي يُثقل الميزان؟
* بما أنَّ الآخرة هي دارُ الوزن، وجب على المؤمن أن يبحث عن “أثقل” الأعمال ليضعها في كفته.
ومن هذه الاعمال :
● الكلماتُ الطيبات:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»
البخاري ، وصحيح مسلم .
وقال -عليه الصلاةُ والسلامُ-: “مَنْ هَالَهُ اللَّيْلُ أَنْ يُكَابِدَهُ، وَبَخِلَ بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقَهُ، وَجَبُنَ عَنِ الْعَدُوِّ أَنْ يُقَاتِلَهُ، فَلْيُكْثِرْ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا أَحبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ جَبَلِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُنْفَقَانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-“(صحيح الترغيب).
● حُسْنُ الخُلُق:
الخُلق هو أثقل شيءٍ يُوضع في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ»
أخرجه أبو داود ، وأحمد مختصراً، والترمذي باختلاف يسير .
● الذكر الدائم والتحميد:
ومما يثقل الميزانَ: الإكثار من قول: “الحمد لله”، والاعتراف لله بالنعمة والفضل، ففي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ – أَوْ تَمْلأُ – مَا بَيْنَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ»
أخرجه مسلم.
●الإنفاق في الجهاد في سبيل الله .
* روى البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: “مَنِ احْتَبَسَ فرسًا في سبيل الله، إيمانًا بالله، وتصديقًا بوعده، كان شِبَعُهُ وريُّه، وروثه، وبوله، حسنات في ميزانه يوم القيامة”.
سادسا : ميزانُ الرجالِ لا ميزان الأجساد
في الإسلام، لا يُقاسُ الناسُ بأحجامهم ولا بأموالهم، بل بما في قلوبهم من يقين وعمل.
● عظمةُ العمل وإن قَلَّ حجم صاحبه:
* روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود رضي اللهُ عنه: أنه كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الأَرَاكِ وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ»
رواه أحمد ، وقال محققوه: صحيح لغيره.
● هوانُ الكافرِ في الميزان:
* روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إِنَّهُ لَيَاتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» وَقَالَ: اقْرَؤُوا إن شئتم {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)} [الكهف]
البخاري .
قال العلماء : إن العامل يوزن مع عمله.
سادساً : الفهمُ المقاصدي للميزان في السلوك
إنَّ الميزان ليس مجرد غيبٍ ننتظره، بل هو سلوكٌ نعيشه.
● الوسطيةُ ميزانُ الإسلام:
الإسلام هو دين الوسط، والوسط هو نقطة التعادل في الميزان بين الغلو والتقصير.
قال تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة، رقم: ١٤٣].
● ميزان النقد والتقييم:
يجب على المسلم أن يزنَ أقواله وأفعاله بميزان الشرع قبل أن ينطق بها.
• قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أنفسكم قبل أن تُوزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم».
الخاتمة :
* زبدة القول وخلاصتة:
أنَّ الوعي بالميزان يُثمر في القلب مراقبةً، وفي الجوارح استقامةً. فمن أيقنَ بوضعه يوم القيامة، أحسنَ وضعه في الدنيا. فاجعلوا موازينكم عامرةً بذكر الله، وحُسن الخلق، والعدل في القول والعمل، عسى أن نكون ممن قال الله فيهم: ﴿فَهِيَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
ويمكننا أن نخلص من هذه السياحة الإيمانية في رحاب “الميزان” إلى حقائق كبرى ينبغي أن يستصحبها المسلم في حياته.
● شمولية الميزان: إن الميزان ليس مجرد كفتين في الآخرة، بل هو ناموس كوني (في الخلق)، وشرعي (في الأحكام)، وأخلاقي (في التعامل).
● العدالة المطلقة: الميزان الإلهي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ومثقال الذرة فيه معتبر، مما يورث العبد دقة المراقبة لربه.
● أثقل الأعمال:
تبيّن لنا أن التوحيد الخالص (البطاقة)، وحسن الخلق، والذكر (سبحان الله وبحمده)، هي أثقل ما يوضع في الميزان؛ فالعبرة بالكيف والقبول لا بمجرد الكثرة.
● ميزان القيم: إن القيمة الحقيقية للإنسان تُقاس بوزن طاعته وتقواه، لا بوزن جسده أو ماله أو جاهه.
اللهم يا من رفعت السماء ووضعت الميزان، ويا من أنزلت الكتاب بالحق والقسطاس المستقيم، اجعلنا ممن استقامت موازينهم في الدنيا بامتثال أمرك، وثقلت موازينهم في الآخرة برحمتك وفضلك.
اللهم ثقل موازيننا بحسن الخلق، وعمر ألسنتنا بذكرك الذي يملأ الميزان، واجعلنا ممن يقولون فيعملون، وممن يعملون فيخلصون، وممن يخلصون فيقبلون.
اللهم إن ذنوبنا قد خفت بها موازيننا، وعيوبنا قد أثقلت كواهلنا، فببركة “لا إله إلا الله” التي طاشت بسجلات الذنوب، اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنّا.
اللهم لا تفتضحنا يوم تبلى السرائر، ولا تخزنا يوم يوضع الميزان، واجعلنا ممن يأخذون كتابهم باليمين، ويسيرون على الصراط كبرقٍ خاطفٍ إلى جنات النعيم.
اللهم زكِّ نفوسنا، وطهر قلوبنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، واجعل ميزان عدلك لنا رحمة، وميزان فضلك لنا نجاة.
اللهم ارزقنا كمال التوحيد، وجميل الأدب، وطيب الكلم، وثبات القدم، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، يا من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير.




