مقالات

موقف الراسمالية المصرية والاجنبية من ثورة يوليو

  1.  

     

     

     

     

    موقف الرأسمالية المصرية والأجنبية من ثورة 23 يوليو

     

    أ/د جمال شقرة

    أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر

    جامعة عين شمس

     

    دفعت الضغوط الناجمة عن الأزمة الإقتصادية – الإجتماعية التي كانت تعاني منها مصر قبل 1923 يوليو 1952 ، جمال عبد الناصر ورفاقه إلي التفكير في إيجاد مخرج من هذه الأزمة والقضاء علي حالة الركود والكساد التي سيطرت علي الإقتصاد المصري قبل وصولهم إلي السلطة ، لقد كان عليهم أن يبدأو بمواجهة القضايا الإقتصادية الملحة ، خاصة وأنهم كانوا علي يقين أن أي نجاح في حلحلة الأزمة الإقتصادي سيقدم مبررآ قويآ لإستمرار الثورة ويدعم وجودها وشرعيتها .

    ويكاد ينعقد الإجماع علي غياب الإيديولوجية ، وإفتقاد قادة الثورة وفي مقدمتهم عبد الناصر ( لنظرية إقتصادية معينة ) أو حتي لوجهات نظر محددة ، بشأن الكيفية التي يمكن بها تحقيق ( التنمية الإقتصادية ) كما يكاد ينعقد الإجماع أيضآ علي أقتحام الضباط لعملية التنمية الإقتصادية ( بمنهج تجريبي متصاعد ) ولعل هذا الإجماع يعود إلي ماذكره عبد الناصر نفسه في خطبه وتصريحاته ، في أكثر من مناسبة ، وكذا ماورد في فلسفة الثورة والميثاق الوطني من أنه لم يتحرك ليلة 23 يوليو 1952 ، مسلحآ بنظرية مُعدة سلفآ وأن الثورة لم تكن تملك من دليل للعمل الثوري غير المبادئ الستة ، التي راحت تُحركها بالتجربة والخطأ … ولقد أشار إلي هذه الملاحظة أيضآ جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة وعدد من ضباط الصف الثاني من تنظيم الظباط الأحرار .

    ويبدو هذا بوضوح أيضآ من أشارة أول وزير للمالية في عهد الثورة ( عبد الجليل العمري ) إلي أن المؤتمر المشترك ناقش في بداية الثورة بطريقة عارضة ، هوية النظام الإقتصادي المفترض إتباعه ، لكنه لم يتاخذ قرارآ حاسمآ في هذا الشأن ، ولقد فسر عبد الجليل العمري ذلك بأنه نتيجة لإختلاف الإنتماءات الفكرية والإجتماعية ، وعدم التجانس بين أعضاء المؤتمر المشترك سواء بين الضباط أو الوزراء المدانيين ، كما ذكر وقتئذ ( سيد مرعي ) أنه حتي سنة 1956 لم يكن هناك تفكير في خطة شاملة لتحقيق تنمية إقتصادية .

    ومع ذلك تبلورت في السنوات الأولي من تاريخ الثورة فكرة حول التنمية الإقتصادية ، مؤداها ضرورة تحقيق تنمية سريعة ( في القطاع الصناعي ) وذلك لزيادة القدرة الإنتاجية للبلاد عن طريق الحد من عمليات الإستثمار بشراء الأراضي الزراعية ، وتشجيع رأس المال المصري والأجنبي علي الإستثمار في المشروعات الصناعية ( فالتنمية الإقتصادية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تحولت مصر إلي بلد زراعية صناعية في آن واحد ، وهذا التحول سوف يؤدي إلي زيادة الدخل الناتج من قطاع الصناعة إلي جملة الدخل القومي وتخفيف الأثار الناجمة عن إعتماد مصر علي تصدير مادة خام واحدة وهي ” القطن ” ) .

    ويمكن الأشارة إلي ثلاثة مبادئ أو محاور أساسية شكلت سياسة الثورة الوليدة لتحقيق هذه الفكرة أي تنمية القطاع الصناعي ، أول هذه المحاور هي تشجيع رأس المال مصري والأجنبي وذلك بتقديم التسهيلات اللازمة لهم ، حتي يشارك في المشروعات الصناعية ، أما المبدأ الثاني فتمثل في تحمل الدولة عبء المشروعات الإستراتيجية ، ومشروعات البنية الأساسية التي غالبآ ما يعزف عنها ( المشروع الخاص ) ، ويشير المبدأ الثالث إلي أتجاه الدولة إلي عدم ممارسة أي رقابة علي الإقتصاد القومي في مجموعة ، إلا بالقدر اللازم في مواجهة أضرار الحرية الحرية الإقتصادية .

    في ضوء ما سبق يمكن فهم صدور قانون الإصلاح الزراعي الأول مبكرآ جدآ في التاسع من سبتمبر 1952 حيث أستهدف دفع كبار الملاك إلي الكف عن المضارابات في الأراضي ، وإستثمار أمولهم في مشروعات التنمية الصناعية ، التي كانت تتطلب إستثمارات كثيفة ، كما يمكن فهم لماذا سعت الثورة في نفس الوقت إلي طمأنه رأس المال المصري والأجنبي من أثار هذا القانون ، وذلك عن طريق إصدار مجموعة مهمة من التشريعات التي أستهدفت تشجيع الرأسمالية ، كما أتجهت خطب وتصريحات وأحاديث عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة والوزراء بل وكافة ( أجهزة الدولة الإيديولوجية ) إلي دعم هذا الأتجاه .

    ويعتبر المرسوم بقانون رقم 120 لسنة 1952 في مقدمة هذه القوانين ، إذ أقر زيادة أسهم الشركات المساهمة للأجانب عند التأسيس أو عند زيادة رأس المال بنسبة 51% بدلآ من 49% بهدف حفز رأس المال الأجنبي ، ومما تجدر ملاحظته أن هذا المرسوم صدر في 30 يوليو 1952 أي قبل صدور قانون الإصلاح الزراعي الأول ، ثم أعقبه عدد أخر من التشريعات التي أستهدفت حفز وتشجيع رأس المال المصري والأجنبي ، ليوظف أمواله في مشروعات القطاع الصناعي .

    علي أية حال أعلن قادة الثورة بصراحة ووضوح في السنوات الأولي من عمرها 1952 – 1956 إصرارهم علي صيانه حقوق الملكية الخاصة ، وتمسكهم بالمشروع الفردي أو الخاص وأنتهاج الطريق الرأسمالي للتنمية ، وبعبارة أخري لم يتجاوز النشاط في هذه المرحلة التي تعرف بمرحلة المشروعات الخاصة نمط الأنتاج الذي كان قائمآ قبل الثورة  .

    انشأت الثورة في أكتوبر 1953 ( المجلس الدائم لتنمية الأنتاج القومي ) و ( المجلس الدائم للخدمات ) مستهدفة أساسآ من وراء ذلك زيادة فعالية النظام الرأسمالي ، وتحقيق نوع من التعاون أو ( التعايش السلمي ) علي حد تعبير (وزير المالية الدكتورعلي الجريتلي ) بين الدولة والقطاع الخاص ، حيث تحمل مجلس الأنتاج دراسة أهم مشروعات التنمية الإقتصادية ، والتأكد من جدواها ، و وضعها موضع التنفيذ وذلك بطرحها للمساهمة ، وتقديم كافة أنواع المساعدات بما في ذلك ضمان حد أدني من الأرباح للمستثمرين ، ولقد أصدر المجلس بالفعل خطة للإستثمارات العامة في برنامج موسع لمدة أربع سنوات ، وشرع علي الفور في تنفيذها ووجهت هذه الخطة أساسآ إلي المشروعات الإستراتيجية والصناعات الثقيلة وذلك حتي يمهد الطريق للمشروعات الخاصة .

    ومما له دلالة أن بعض كبار الرأسماليين المصريين ، تعاونوا مع هذا المجلس ، وقدموا إليه عددآ من الدراسات لبعض المشروعات تعبيرآ عن عدم تخوفهم من ( توجيه الدول للإقتصاد المصري ) ، إعتقادآ منهم أن الدولة لن تتجازو في تدخلها وتوجيها ( الحدود التي أعتادت عليها قبل يوليو 1952 ) .

    أما مجلس الخدمات فحولت أليه الأموال المصادرة من ثورة الملك فاروق ومن أملاك الخاصة الملكية ، والتي بلغت قيمتها سبعون مليون جنية ، ونفذت بها مشروعات إقامة الوحدات المجمعة للصحة والتعليم وإعادة التدريب والإرشاد الزراعي كما شيدت مجموعة كبيرة من المستشفيات المركزية .

    وأن كانت الثورة قد إلتزمت بتحقيق المبدأين الأول والثاني ، أي تشجيع رأس المال المصري والأجنبي ، وحمل عبء مشروعات البنية الأساسية ، فأنه توجد مؤشرات عديدة تشير إلي أنها لم تلتزم بالمبدأ الثالث وتجاوزت مايعرف ( بالنطاق التقليدي لدور الدولة في النظام الرأسمالي ) إذ قام المجلس الدائم لتنمية الأنتاج القومي بتأسيس شركات مملوكة للدولة ، من ذلك الشركة العامة للثروة البترولية ، والشركة المصرية لتكرير البترول ، كما أشتركت الدولة في رأس المال الفردي لبعض الشركات القائمة ، كشركة مصر للطيران ، وبنك القاهرة ، وشركة السكر ، وكذلك عن طريق المساهمة في رأس المال الفردي في تأسيس شركات جديدة كشركة الحديد والصلب ومصنع الجوت ، بالإضافة إلي توسيع المصانع الحربية المملوكة بالكامل للدولة .

    ولم يقف تدخل الدولة عند حد تأسيس ( الشركات المختلطة ) بل تعداه لفرض الحراسة علي شركة حديد ( الدلتا الضيقة ) سنة 1954 وأخضاع شركات المرافق العامة لرقابة ديوان المحاسبة ، وفرض الحراسة ايضآ علي شركة السكر والتكرير عام 1955 في مقابل الضرائب المتراكمة عليها ، فضلآ عما أشيع عن قيام المخابرات بكتابة تقارير عن  ما يحدث داخل المصانع  .

    ويمكن رصد بعض الأشكال الأخري لتدخل الدولة في هذه المرحلة المبكرة منها :

    أولآ : أستخدام الوسيلة التقليدية لتحقيق التوازن بين العرض والطلب ، وذلك بتوزيع بعض السلع النادرة عن طريق التراخيص حسب أولويات محددة بدلآ من رفع أسعارها .

    ثانيآ : بيع العملات الأجنبية للشركات الصناعية بسعر الصرف الرسمي المنخفض .

    ثالثآ : حظر تصدير بعض المواد الأولية ، وحظر الإستيراد إلا بموافقة وزارتي التجارة والصناعة .

    رابعآ : إيقاف أنشاء مصانع جديدة .

    خامسآ : تدخل الدولة في ميدان التجارة الداخلية والخارجية لإنشاء شركة التجارة الخارجية ، والشركة العامة للتجارة الداخلية بالمشاركة مع بنك مصر – بعد تغيير مجلس إدارته – وبعض الهيئات الحكومية الأخري .

    سادسآ : يضاف إلي ذلك إصدار الثورة لعدد من القوانين العمالية التي حققت بعض مطالب العمال ، ورغم أن هذه التشريعات من وجهة نظر الحركة العمالية لم تكن كافية ، وعلي الرغم من أعدام العاملين ( خميس والبقري ) ، فأن قراءة الرأسماليين المصريين لها جاءت مختلفة ، إذ أعتبرتها إنحيازآ تشريعيآ للطبقة العاملة .

    سابعآ : إزاحة عدد من القيادات الرأسمالية عن طريق تعديل قوانين الشركات ، حيث منعت الجمع بين عضوية مجلس إدارة مصرفين ، أو منصب العضو المنتدب في أكثر من شركة واحدة ، وتحديد سن التقاعد في الشركات المساهمة بستين عامآ فقط ، مما أدي إلي إبعاد عدد كبير من القيادات العاملة في مجال البنوك والشركات .

    ثامنآ : تعيين عناصر مؤمنة بالثورة ، أعضاء في مجالس إدارة الشركات المساهمة ، فضلآ عن تعيين عدد كبير من الضباط السابقين بعديد من الشركات ذات الصلة بالمجهود الحربي .

    تاسعآ : إلزام البنك الأهلي بأن يضع تحت تصرف الحكومة ما في حوزته من عملات أجنبية .

    هكذا وقفت الثورة ( حائرة ) في هذه المرحلة المبكرة من تاريخها ، بين رغبتها في إستلهام النموذج الغربي في التنمية ، وإنتهاجها الطريق الرأسمالي ، وبين خشيتها من مخاطر الحرية الإقتصادية ، وترك عملية التنمية برمتها لتلقائية المستثمر الفرد ، مما أوقعها في تناقض خطير بين تشجيعها لرأس المال ، وتجاوزها حدود النطاق التقليدي لتدخل الدولة ، وهو تناقض مردود أساسآ لغيبة الإيديولوجية وإستغراق القيادة السياسية الجديدة في متاهات التجريب ، ولقد أستقبل رأس المال المصري والأجنبي هذه الحيرة وذالك التذبذب بحذرآ شديد ، فعزفوا عن مشاركة الثورة في حمل هموم التنمية الإقتصادية ، وضاعت كل محاولات الثورة لجذب رأس المال الأجنبي وحفز وتشجيع رأس المال المصري سدى ، فالتشريعات أو الخطب أو النيات الطيبة لم تكن تكفي لكي يتدفق رأس المال صوب المشروعات الطموحة التي أعدها المجلس الدائم لتنمية الأنتاج القومي .

    ولم تجد الإعفاءات الضريبية ، وما أسمته الدولة بالحماية الجمركية ، وعلي الرغم من دعم الثورة لإتحاد الصناعات ، وعلي الرغم من أن الثورة
    – في مرحلة المشروعات الحرة – هذه كانت تطبق ما أشارت به بيوت الخبرة الغربية ، خاصة الأمريكية علي الرغم من كل ماسبق عزفت الرأسمالية المصرية عن المشاركة في التنمية الإقتصادية ، فريق حبس أمواله ، وفريق قام بتهريبها إلي أوروبا ، وفريق ثالث أندفع ليستثمرها في الأنشطة الطفيلية بهدف الأثراء المضمون والسريع .

    ولم يختلف رأس المال الأجنبي عن موقف رأس المال المصري ، إذ أحجم هو الأخر عن المشاركة في مشروعات التنمية الإقتصادية وهو أمر يسهل تفسيره ، فبالإضافة إلي أن الرأسمالية الغربية أحجمت دومآ عن أستثمار أموالها في الدول الخاضعة لنظم عسكرية ، وإلي الغموض الذي أحيط بتوجهات الثورة قبل عقد أتفاقية الجلاء ، وإلي عدم الإستقرار السياسي الذي ميز السنوات الأولي للثورة ، فأن رفض الثورة الأنضمام إلي حلف بغداد ومحاربته ، والإعلان صراحة عن أن الثورة ستناضل بهدف تحقيق الأستقلال السياسي ولإقتصادي لمصر ، كما أنها ستدعم الدول العربية التي لم تحصل بعد علي إستقلالها ، فضلآ عن نجاح عبد الناصر في عقد صفقة الأسلحة التشيكية ومشاركته في مؤتمر باندونج ، وتأييده لثورة الجزائر ، وأعترافه بالصين الشعبية ، كل هذا كان وراء أمتناع رأس المال الأجنبي عن المشاركة في تنمية مصر وتحديثها .

    ولم يقف الأمر عند حد أحجام رأس المال الأجنبي ، بل تعداه إلي ( تعليق ) المعونة الإقتصادية الأمريكية لمصر ، ثم حرمنها وحصارها إقتصاديآ ، هكذا لم تكن معركة ثورة 23 يوليو منذ ولادتها في اليوم الأول معركة سياسية ، بل كانت معركة إقتصادية في المقام الأول .  

     وبين رغبتها في تحسين مستوى المعيشة وتخفيض نسبة الفقر ،وتخفيف المعاناه عن الطبقة الوسطى وفقراء الريف والمدينه ،وبين ادراكها لجشع  رجال المال والاعمال وعلاقاتهم بالرأسمالية الغربية .

           

     

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى