( المواجهة الكبرى وحسابات البقاء في منطقةملتهبة)

بقلم المستشار. محمد عمر
بينما تقف منطقة الشرق الأوسط في أبريل 2026 على حافة تحولات لم تشهدها منذ عقود، يبدو المشهد الجيوسياسي كلوحة معقدة تتداخل فيها طموحات القوى الكبرى بآلام الشعوب وتطلعاتها. إن الأزمة الراهنة بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، لم تعد مجرد صراع نفوذ إقليمي، بل تحولت إلى حرب وجودية أعادت صياغة مفهوم “الأمن القومي العربي” في ظل استقطاب حاد كشف عورات التبعية السياسية لدى بعض العواصم.
تتجلى تبعات هذه المواجهة في عسكرة غير مسبوقة للممرات المائية، حيث تحول البحر الأحمر والخليج العربي إلى ساحات اختبار للأسلحة المتطورة، مما أدى إلى خنق سلاسل الإمداد العالمية ووضع الاقتصاد الدولي في مهب الريح. وفي غمار هذا التصعيد، يبرز التواطؤ الصارخ لبعض القوى الإقليمية التي اختارت الاصطفاف خلف الوعود الأمريكية والسراب الصهيوني، ظناً منها أن التحالف مع المحتل قد يوفر حماية من الجار الإيراني، متجاهلة أن التاريخ لم يرحم يوماً من ارتهن قراره للخارج على حساب كرامة شعبه ووحدة مصيره.
في قلب هذا الإعصار، تبرز الدولة المصرية كحائط صد أخير ضد الانهيار الشامل. تتحرك القاهرة اليوم بوعي تاريخي يدرك أن أمنها القومي يبدأ من استقرار الإقليم، رافضةً الانجرار إلى محاور “التبعية” التي تروج لها واشنطن تحت مسميات أمنية براقة. إن الدور المصري لا يقتصر فقط على المناورات الدبلوماسية لتهدئة الجبهات، بل يمتد ليكون صوتاً عاقلاً يرفض تصفية القضايا العربية الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، تحت ستار الحرب على إيران.
وعلى الصعيد الشعبي، نجد أن الوجدان المصري والعربي قد تجاوز لغة البيانات الرسمية؛ فهناك إدراك فطري وجمعي يرى في الهجمة الصهيونية الحالية محاولة نهائية لفرض الهيمنة الكاملة على المنطقة. هذا الوعي الشعبي هو المحرك الحقيقي للقرار السياسي في القاهرة، حيث يستمد المفاوض المصري قوته من شارع يرفض استبدال “عدو بآخر” ويرى في وحدة الشعوب العربية، لا في الاتفاقيات الورقية مع الكيان الصهيوني، السبيل الوحيد للنجاة من تبعات هذا الزلزال الذي لا يزال يضرب أركان المنطقة. إننا أمام لحظة فارقة، فإما أن تولد منطقة جديدة بقرار وطني مستقل، أو تظل ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى على أنقاض السيادة العربية.




