منوعات

♡​محطة مترو “التحرير♡

♡​محطة مترو “التحرير
“: حين يبتسم القدر
​وسط ضجيج الزحام في محطة “التحرير”، لم تكن العيون تلتقي صدفة، بل كان القدر يضع اللمسة الأخيرة على رواية بدأت منذ سنوات خلف أسوار الخدمة العسكرية. لمح “محمد عمر” وجهاً لم ينسه قط. نادى بصوت واثق: “يا إبراهيم!”.
​توقف الرجل، عدل نظارته الطبية ببطء، وفي عينيه تساؤل حائر: “الوجه مألوف.. لكن أين؟”. ابتسم محمد وقال: “أنا محمد عمر”. هنا انفتحت أبواب الذكريات، وعانقه إبراهيم بحرارة وهو لا يصدق أن السنين جمعتهما ثانية. سأله إبراهيم عن حاله، فأجابه محمد بهدوء الواثق: “محامٍ بشركة الكهرباء بالقاهرة”.
​في تلك اللحظة، ساد صمت طويل.. سرح إبراهيم في الفراغ، بينما استعاد محمد شريط حياته الذي بدأ من قلب صعيد مصر، من “ديرمواس” التي شهدت أولى أحلامه.
​الملكة المتوجة والحلم الضائع
​نشأ محمد في بيت يملؤه الدفء، أبٌ كريم وأمٌ وصفها بأنها “ملكة متوجة” تشع سعادة، وسط سبعة أشقاء يربطهم ودٌ لا تشوبه شائبة. كانت طفولته مزيجاً من الانضباط والموهبة؛ يحفظ القرآن بفطرته في الكتاب، ويعشق كرة القدم، ويذوب حباً في صوت “عبد الحليم حافظ” وأفلامه الستة عشر التي حفظها عن ظهر قلب.
​لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن عند الشهادة الإعدادية. حلمه بأن يكون “عضواً بالنيابة العامة” تحطم على صخرة مجموعٍ ناقص – قيل إنه “بفعل فاعل” – حرمه من الثانوية العامة وألقى به في غياهب التعليم الفني. ورغم توسلاته، كان قرار والده حاسماً، ليدخل محمد مرحلة من “التوهان” الجميل؛ يبدع في المسرح والإلقاء الشعري ودوري الفصول والأقسام ، لكن قلبه كان في مكان آخر تماماً.
♡​كلمة أشعلت الثورة♡
​جاءت نقطة التحول ببدلة عسكرية وكلمة جارحة. ضابط احتياط (محامٍ تحت التمرين) استصغر شأن محمد في لحظة خلاف قائلاً: “أنت مجرد مؤهل متوسط!”. كانت تلك الكلمات هي “الوقود” الذي احتاجه المحرك الخامد. رد محمد بكل ثبات: “أعدك أن ليسانس الحقوق الذي تتباهى به سأحصل عليه مهما كانت الصعوبات”.
​وبدأت المعركة. تحدى محمد المحبطين، عاد لكتب الثانوية وهو في أواخر خدمته العسكرية، وبدعم من “الملكة المتوجة” (والدته) التي شعرت بحزنه، انطلق في رحلة العلم. وبفضل أساتذة أجلاء لم ينسَ فضلهم قط – كالأستاذ رجب لقي وأحمد النجار وخالد فتحي واحمد عبد النظير وثروت إسحق وغيرهم – استطاع انتزاع الشهادة التي استعصت عليه صغيراً.
​قطار “ديرمواس – أسيوط”
​لم تكن سنوات الجامعة مجرد دراسة، بل كانت “متعة الاستحقاق”. كان محمد يستقل القطار يومياً بين ديرمواس وأسيوط، يتبادل الضحكات والأحلام مع رفاق الدرب: عصام فراج، وأحمد عبد الحفيظ، ومينا حبيب، ومحمود صدقي ومحمد محسن ومحمد عبد القادر .. كانت الأيام تمر سريعة، والهدف يقترب، حتى نال “الليسانس” الذي طال انتظاره.
​وبفضل الله، ثم بدعم ابن خاله المستشار “سيد الدليل” – شفاه الله – شق طريقه المهني بنجاح في الشؤون القانونية لشركة توزيع كهرباء القاهرة.
​العودة إلى المترو:
نظر محمد إلى إبراهيم (الضابط القديم) الذي كان يعمل حينها في مكتب محاماة بسيط، وقال له: “فاكر لما قلت لي هاتعمل رأسك برأسي؟ ربي نصفني وأعطاني ما تمنيت بفضلك”.
​فهم إبراهيم الرسالة، وبنبرة اعتراف قال: “أنت تستحق كل خير.. انظر أين أنت الآن، وأين أنا”. ودعه واختفى في زحام المحطة، بينما بقي “المستشار محمد عمر” واقفاً، يبتسم للماضي ويستشرف مستقبلاً صنعه بعرقه وإصراره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى