منوعات

​الرياضة في مهب التجاذبات

بقلم «محمدعمر» نائب رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري. حينما تتحول الملاعب من ساحات تنافس إلى ميادين للصراع الأيديولوجي
​في الوقت الذي تترقب فيه جماهير كرة القدم حول العالم مواجهة حاسمة تجمع بين منتخبي مصر وإيران ضمن منافسات كأس العالم 2026 في مدينة سياتل الأمريكية، وجدت هذه المباراة نفسها في قلب عاصفة من الجدل الذي تجاوز حدود “المستطيل الأخضر” ليلامس قضايا الهوية والقيم والثقافة.
​لقد أثار قرار اللجنة المنظمة في سياتل ربط هذه المباراة بفعاليات “يوم الفخر” (Pride) تساؤلات جوهرية حول الحياد الرياضي. بالنسبة للاتحادين المصري والإيراني، لم يكن الأمر مجرد خلاف إجرائي، بل كان تعبيرًا عن رفضٍ قاطع لإقحام أجندات أيديولوجية لا تتوافق مع الثقافة الدينية والاجتماعية الراسخة في البلدين.
​إن الشعور العام في القاهرة وطهران يرى في هذه الخطوة محاولة لفرض قيم لا تحظى بقبول مجتمعي، بل وتتناقض مع المبادئ الدينية والتقاليد التي يعتز بها الشعبان. وفي هذا السياق، يبدو تهديد المنتخبات بالانسحاب موقفاً مبدئياً يهدف إلى حماية “قدسية الرياضة” من التحول إلى منصة للترويج لتوجهات اجتماعية مثيرة للجدل.
​تثير حالة الصمت—أو التباطؤ في اتخاذ قرارات حاسمة—من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حفيظة الكثيرين. فالشعارات التي ترفعها المنظمات الدولية حول “احترام التنوع” و”الرياضة للجميع” تبدو في هذا الموقف مجرد حبر على ورق إذا لم تكن تتضمن احتراماً متبادلاً للخصوصيات الثقافية للدول المشاركة.
​إن التدخل الصريح للسياسة—أو الأيديولوجيا—في الرياضة يعد سابقة خطيرة قد تقوض جوهر كأس العالم، الذي وُجد ليكون محفلاً للتقارب بين الشعوب لا ساحةً لفرض الأفكار. إن الإصرار على الربط بين حدث رياضي عالمي وفعاليات اجتماعية مرفوضة من أطراف اللقاء لا يعد “احتفاءً بالتنوع”، بل هو تجاهل صارخ لمشاعر الملايين من المتابعين حول العالم الذين يرغبون في الاستمتاع بكرة القدم بعيداً عن صراعات الثقافة.
​إن الرياضة، في أسمى معانيها، يجب أن تظل مساحة محايدة. إن مطالبة الجانبين المصري والإيراني بإبعاد هذه الأجندات عن ملاعب المباراة ليست دعوة للانعزال، بل هي دعوة لاحترام مبدأ “الاحترام المتبادل” الذي تتشدق به الدول الغربية.
​إذا أرادت كرة القدم أن تبقى اللعبة الشعبية الأولى التي توحد العالم، فعليها أن تبتعد عن الاستقطاب الأيديولوجي، وأن تدرك أن احترام الأديان والثقافات هو جزء لا يتجزأ من مفهوم “الاحترام” الذي يجب أن يسود الملاعب الدولية. إن استمرار تجاهل هذه المطالب لا يهدد فقط بإفساد متعة المباراة، بل يهدد بنسف الجسور التي كان من المفترض أن تبنيها الرياضة بين مختلف شعوب الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى