هل أصبح الفساد جزءًا من شخصيتنا؟ ومن يحاسب من؟

بقلم ا.د عصام قمر
في كل يوم تقريبًا، نستيقظ على خبر جديد: مسؤول كبير أُحيل إلى التحقيق، أو موظف رفيع اكتُشف أنه جمع ثروة هائلة بطرق غير مشروعة، أو شبكة فساد امتدت لسنوات طويلة قبل أن تنكشف. تتكرر المشاهد والأسماء والفضائح حتى يكاد البعض يعتقد أن الفساد أصبح جزءًا من ثقافتنا أو سمة ملازمة لمجتمعاتنا. لكن هل هذا صحيح فعلًا؟ أم أن المشكلة أعمق وأكثر تعقيدًا؟
الحقيقة أن الفساد ليس صفة وراثية في شعب دون آخر، ولا هو جزء من شخصية الإنسان بطبيعته. فالفساد ظاهرة تنشأ عندما تتوفر بيئة تسمح له بالنمو والتمدد دون رادع حقيقي. وكلما ضعفت الرقابة والمحاسبة والشفافية، ازدادت فرص الفاسدين في استغلال مواقعهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة.
السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: كيف يستطيع مسؤول أن يسرق أو يختلس أو يحصل على رشاوى لسنوات طويلة دون أن يلاحظه أحد؟ وكيف يتمكن من جمع العقارات والسيارات والحسابات البنكية الضخمة دون أن تتحرك الجهات المختصة إلا بعد سنوات؟
الواقع أن الفساد الكبير نادرًا ما يكون فعلًا فرديًا معزولًا. فهو غالبًا نتيجة سلسلة من الإخفاقات المؤسسية؛ فقد يكون هناك تقصير في الرقابة، أو ضعف في آليات المتابعة، أو تواطؤ من بعض الأطراف، أو خوف من مواجهة أصحاب النفوذ. وفي بعض الأحيان لا يكون غياب المعلومات هو المشكلة، بل غياب الإرادة الكافية للتحرك في الوقت المناسب.
ومن المفارقات أن كثرة الكشف عن قضايا الفساد قد تُفسَّر بطريقتين متناقضتين. فمن جهة، قد تكون دليلًا على انتشار الفساد بالفعل. ومن جهة أخرى، قد تكون مؤشرًا على أن أجهزة الرقابة أصبحت أكثر قدرة على اكتشافه وإظهاره للرأي العام. لذلك لا يكفي أن نقرأ أخبار الفضائح، بل يجب أن نسأل أيضًا: هل توجد محاسبة حقيقية؟ وهل تُسترد الأموال العامة؟ وهل تُغلق الثغرات التي سمحت بوقوع الجريمة أصلًا؟
أما عن المسؤولية، فهي لا تقع على شخص واحد أو جهة واحدة. المسؤولية تبدأ من المؤسسات الرقابية والقضائية والتنفيذية، لكنها تمتد أيضًا إلى الإعلام الحر، والمجتمع المدني، والمواطن نفسه. فالصمت على المخالفات الصغيرة، وتبرير الواسطة، والتسامح مع الرشوة باعتبارها “أمرًا عاديًا”، كلها ممارسات تهيئ الأرضية لفساد أكبر وأخطر.
إن أخطر ما يفعله الفساد ليس سرقة المال العام فحسب، بل سرقة ثقة الناس في الدولة والقانون. فعندما يرى المواطن أن الفاسد يزداد ثراءً ونفوذًا بينما يدفع الشريف ثمن التزامه، تتآكل القيم وتضعف الثقة بالمؤسسات، ويصبح الإحباط شعورًا عامًا يهدد تماسك المجتمع.
أما الطريق إلى الخلاص فلا يكمن في الشعارات أو الحملات المؤقتة، بل في بناء منظومة متكاملة تقوم على الشفافية والمساءلة وسيادة القانون. فالمطلوب هو رقابة فعالة لا تستثني أحدًا، وإفصاح مالي واضح للمسؤولين، وحماية للمبلغين عن الفساد، وقضاء مستقل وسريع، وإعلام قادر على كشف الحقائق دون خوف أو ضغوط.
الفساد ليس قدرًا محتومًا، كما أنه ليس جزءًا ثابتًا من شخصية أي مجتمع. إنه نتيجة لظروف يمكن تغييرها وإصلاحها. وكل تجربة ناجحة في العالم تثبت أن الفساد يتراجع عندما يصبح احتمال اكتشافه وعقابه أكبر من الفائدة التي يجنيها الفاسد منه.
ويبقى السؤال الأهم: ليس لماذا يوجد فاسدون، فالفاسدون موجودون في كل زمان ومكان، بل كيف نبني نظامًا لا يسمح لهم بالاستمرار سنوات طويلة دون حساب؟ عندها فقط يمكن أن تتحول أخبار الفضائح من ظاهرة يومية متكررة إلى استثناء نادر يؤكد أن القانون فوق الجميع.




