مقالات

التعليم في مصر: قرارات فردية… وخبراء بلا تأثير

بقلم: ا.د عصام قمر
استاذ أصول التربية و القائم بعمل رئيس حزب مصر المستقبل

في كل مرة يتغير فيها وزير التعليم، يبدأ الحديث عن “إصلاح جديد”، وتظهر وعود مختلفة، ويتغير شكل النظام… لكن النتيجة تظل كما هي: ارتباك، قلق، وفقدان ثقة.
المشكلة أننا لا نفاجأ بما يحدث، بل نعرفه مسبقًا. نعرف الأخطاء، نراها تتكرر، ومع ذلك نمضي فيها وكأننا مُجبرون.
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن عددًا كبيرًا من الطلاب في مصر لا يكتسب المهارات الأساسية رغم سنوات الدراسة. كما تؤكد نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) أن مستويات الطلاب أقل من المتوسط العالمي في القراءة والرياضيات والعلوم. المعنى ببساطة: الطالب ينجح… لكنه لا يتعلم كما يجب.
ما حدث خلال السنوات الأخيرة يعكس أزمة أعمق من مجرد مناهج أو امتحانات.
عندما تولى طارق شوقي المسؤولية، طرح مشروعًا طموحًا لتغيير شكل التعليم بالكامل، قائمًا على الفهم والتكنولوجيا. لكن التنفيذ جاء أسرع من قدرة الواقع على الاستيعاب: بنية تحتية غير جاهزة، تدريب غير كافٍ، ونظام جديد فُرض دفعة واحدة. فتحولت الفكرة من مشروع تطوير إلى تجربة مُربكة باهظة التكلفة.
ثم جاء رضا حجازي، فحاول تهدئة المشهد، لكن دون تقييم حقيقي لما سبق.. فقد تم التراجع عن بعض السياسات، دون بناء واضح على ما نجح أو معالجة علمية لما فشل. فاستمرت نفس المشكلة: تغيير بلا تعلّم.
واليوم، مع محمد عبداللطيف، تتكرر المؤشرات نفسها: قرارات سريعة، غياب للحوار الكافي، وعدم وضوح في الاتجاه. نسير… لكن لا نعرف إلى أين.
لكن الحقيقة التي يجب مواجهتها بوضوح هي أن المشكلة لا تتوقف عند الوزراء فقط.
المشكلة أيضًا فينا نحن… التربويون.
في مصر، لدينا آلاف من أساتذة التربية والخبراء والباحثين، يمتلكون معرفة حقيقية بما يجب أن يكون عليه التعليم. لكن تأثيرهم في الواقع محدود للغاية. لا يوجد حضور قوي لهم في صناعة القرار، ولا ضغط علمي منظم يفرض رؤيتهم، ولا موقف جماعي واضح عند الخطأ.
نرى القرارات تُتخذ، ونعرف عيوبها، ونتوقع نتائجها… ثم ننتظر حدوث الأزمة لنتحدث عنها.
هذا الصمت لا يليق بحجم المسؤولية.
في دول كثيرة، لا يمكن تمرير أي تغيير تعليمي كبير دون نقاش واسع وتجريب فعلي ورأي حاسم من الخبراء. أما هنا، فكثيرًا ما يتحول التعليم إلى مساحة للقرارات الفردية، بينما تقف الجماعة التربوية في موقع المتفرج.
حتى ظاهرة الدروس الخصوصية، التي أصبحت عبئًا على كل بيت، ليست سوى نتيجة طبيعية لهذا الخلل. الطالب لا يعتمد على المدرسة لأنه لا يجد فيها ما يكفيه، وولي الأمر يدفع لأنه لا يثق، والمعلم يبحث عن بديل. الجميع يعرف المشكلة… لكن لا أحد يعالج جذورها بشكل حاسم.
القادم مهم.
لكن الأهم أن ندرك أن المستقبل لن يتغير، إذا استمرت نفس الطريقة في إدارة الحاضر.
إصلاح التعليم لا يحتاج فقط إلى وزير لديه رؤية، بل إلى منظومة كاملة تحترم العلم، وتستمع للخبراء، وتُجرّب قبل أن تُعمّم، وتتعلم من أخطائها بدلًا من تكرارها.
والأهم من ذلك كله: يحتاج إلى جماعة تربوية حقيقية… لا تكتفي بالفهم، بل تملك القدرة على التأثير.
وإلى أن يحدث ذلك، سنظل ندور في نفس الدائرة:
تتغير الوجوه… وتبقى الأخطاء…و يضيع المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى