مقالات

​سُياسُ النفس.. مَن يقودُ وعيَك في زمنِ الانكسار؟

​بقلم: هالة صابر عكاشة
​في زمنٍ تلاحقت فيه الأزمات، وتصدّرت أخبار الانتحار والقتل وضغوط المعيشة المشهد اليومي، لم يعد التساؤل عن “ماذا يحدث؟” هو الأهم، بل التساؤل الأعمق هو: “مَن يسوسُ أرواحنا في هذا الزحام؟”. إن ما تشهده الآونة الأخيرة من تصاعدٍ ملحوظٍ في الظواهر المجتمعية المعقدة يضعنا أمام حقيقة حتمية: نحن في مواجهة إشكالية “التعرض المستمر” للمحتوى الرقمي الذي يقتحم الوعي الجمعي دون استئذان، مسببًا انتهاكًا صارخًا لما يمكن تسميته بـ “الحُرمات الوجدانية”.

​العدوى الانفعالية وسياسة الذات

​إن الطبيعة البشرية، في جوهرها، تخضع لما يُعرَف بـ “العدوى الانفعالية”. وكما تنتقل المشاعر الإيجابية، فإن مشاعر اليأس والشكوى والخوف من المستقبل تنتقل بكثافة عبر المنصات الاجتماعية والأحاديث اليومية المتكررة؛ فتلك النقاشات التي لا تنتهي حول الفواجع تمنح الألم طاقة إضافية للاستمرار. والخطورة هنا تكمن في غياب اليقظة تجاه “مَن يسوس الكيان”؛ فالتلقي العشوائي للمعلومات والمشاهد الصادمة يتولى عمليًا إدارة وتوجيه الانفعالات الداخلية، مما يسلب الفرد قدرتَه على الضبط الذاتي.
​إن “سُياس النفس” هم المحركون الأوائل لردود أفعالنا، والمدبرون لخبايا بصيرتنا؛ وحين نترك العقل عرضة للاقتحام الرقمي والشفهي، فنحن نسلّم “لجام” مشاعرنا لمنصات وأحاديث تقتات على الصدمات، مما يحوّل الميديا والمحيط الاجتماعي من ناقلٍ للخبر إلى “سائسٍ” يوجه الوجدان نحو الإحباط والاغتراب.

​ميكانزمات “الهاوية” والتهيئة السلبية

​يقول الفيلسوف فريدريك نيتشه: “مَن يُطيل النظر في الهاوية، تبدأ الهاوية بالنظر إليه”. هذا الاقتباس يختصر بعمق ما يفعله تكرار تداول تفاصيل الحوادث المأساوية؛ حيث يؤدي إلى “التهيئة السلبية” (Negative Priming). هذه العملية تُفقد الإنسان حساسيته الفطرية تجاه الفواجع، وتحوّل المأساة بمرور الوقت من حدثٍ صادم ومرفوض إلى “نموذج” حاضر في العقل الباطن، مما يكسر الحواجز النفسية ويجعل من اليأس خيارًا متاحًا تحت ضغط الأزمات. إنها عملية “تسلل” صامتة؛ حيث تعتاد العين قبح الجريمة من كثرة التحديق فيها، حتى تتشربها الذات وتعتادها، ويصبح القبح أمراً مألوفاً، فيموت الإحساس وتتبلد المشاعر وتُطمس الفطرة السوية.

​الحرمات الروحية كضرورة بقاء

​يتولد لدى الوعي الجمعي أحيانًا ردُ فعلٍ دفاعي يتجسد في “الرفض القاطع” لكل ما ينتهك الخصوصية أو يخدش قدسية الروح البشرية. هذا الدفاع عن “الحرمات” ليس دعوة للانعزال السلبي عن قضايا المجتمع، بل هو تفعيل لغريزة البقاء؛ فالفرد الذي ينتهك اليأسُ حِماه، يفقد القدرة على التغيير أو تقديم الدعم لغيره. إن حماية المدخلات العقلية هي أولى خطوات “المقاومة الإيجابية”؛ ولكي نظل قادرين على العمل والإنتاج، يجب أن تظل ذواتنا تحت سياستنا نحن، لا تحت سياسة “التريند” أو ضجيج الأحاديث المحبطة.

​نحو وعي مجتمعي شامل

​إن استعادة التوازن تتطلب حراكاً يجمع بين مسؤولية الفرد ودور المؤسسات عبر ثلاثة محاور أساسية:

​المسؤولية الجماعية: الحاجة ملحة لمواثيق شرف إعلامية تمنع “تسليع” الموت وتفاصيل الانتحار، صونًا لحرمة الضحايا وحمايةً للمشاهدين من العدوى الانفعالية.

​تحويل الرفض إلى بناء: ضرورة إعادة توجيه الوعي نحو “النماذج المضيئة”؛ فبمقابل كل قصة انتحار، هناك آلاف من قصص الصمود اليومي التي تستحق أن تُروى لتكون هي “العدوى البديلة”.

​الوعي بالحدود: أن يدرك الإنسان أن من حقه الوجداني والشرعي أن يضع حدودًا حازمة لما يُسمح له باختراق مداركه، حمايةً لسلامته الفطرية.

​إن استعادة “السيادة على الذات” تعني أن نكون نحن المحرِكين لبوصلتنا، نرى الواقع بأوجاعه لكننا لا نسمح له بكسر إرادتنا. فحماية العقل من غبار الشكوى واليأس هي الأمانة التي استودعنا الله إياها، وهي السبيل الوحيد لبقاء مجتمع متماسك وقادر على المواجهة في وجه عواصف الانكسار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى