لهيب الأسعار يكوي المصريين

بقلم ا.د عصام قمر
لم يعد غلاء الأسعار مجرد أزمة عابرة أو موجة مؤقتة يمكن للناس تحملها والصبر عليها، بل تحول إلى كابوس يومي يطارد كل أسرة مصرية من أول الشهر إلى آخره. فارتفاع الأسعار لم يعد يقتصر على الخضروات والفاكهة أو بعض السلع الغذائية كما كان الحال في السابق، وإنما امتدت نيرانه إلى كل شيء بلا استثناء، حتى أصبح المواطن يشعر أن حياته كلها أصبحت رهينة لأسعار تتصاعد بلا حدود ولا ضوابط.
فالمواصلات ارتفعت أجورها، والحرفيون على اختلاف مهنهم رفعوا أسعار خدماتهم، وتضاعفت تكاليف الصيانة والإصلاح، وارتفعت فواتير المياه والكهرباء والغاز، بل إن موجة الغلاء طالت العديد من الخدمات الحكومية التي لا غنى للمواطن عنها. وأصبح الحصول على أبسط متطلبات الحياة يحتاج إلى ميزانية تفوق قدرة كثير من الأسر على الاحتمال.
ويكفي أن ترتفع أسعار الوقود، وعلى رأسها البنزين، حتى تبدأ سلسلة لا تنتهي من الزيادات في كل السلع والخدمات. فالبنزين ليس مجرد سلعة، بل هو المحرك الذي يؤثر في تكلفة النقل والإنتاج والتوزيع، ومن ثم ينعكس على أسعار كل شيء تقريباً. وما إن يُعلن عن زيادة جديدة حتى يسارع كثيرون إلى رفع الأسعار، بعضهم بقدر الزيادة الحقيقية، وكثير منهم بأضعافها، مستغلين حاجة الناس وعجزهم عن الاستغناء.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا يفعل الناس في مواجهة هذا الطوفان من الغلاء؟ الموظف محدود الدخل راتبه ثابت، والعامل البسيط دخله بالكاد يكفي أياماً معدودة، وأصحاب المعاشات يواجهون أوضاعاً أكثر صعوبة. وبين دخل لا يتحرك وأسعار لا تتوقف عن الارتفاع، تتآكل القدرة الشرائية للمواطن يوماً بعد يوم، وتزداد معاناة الأسر التي أصبحت عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية كما كانت تفعل من قبل.
الأخطر من ذلك أن حالة من الفوضى السعرية باتت تسيطر على الأسواق. فكل شخص يرفع السعر وفقاً لما يراه مناسباً له، وكأن الأمر أصبح متروكاً للأهواء والمصالح الشخصية. أين الرقابة؟ وأين المحاسبة؟ وأين الأجهزة المختصة بحماية المستهلك وضبط الأسواق؟ أسئلة تتردد على ألسنة المواطنين في كل مكان، لكن الإجابات تبدو غائبة، وكأن صرخات الناس تذهب أدراج الرياح.
إن المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن رفاهية زائدة، بل يريد فقط سوقاً منضبطة وعدالة في التسعير ورقابة حقيقية تمنع الاستغلال والجشع. يريد أن يشعر أن هناك من يحميه من موجات الغلاء المتلاحقة التي تلتهم دخله وتثقل كاهله.
لقد أصبح لهيب الأسعار يكوي المصريين في كل بيت، ويضغط على كل أسرة، ويهدد استقرار حياة الملايين. ومع استمرار هذه الأوضاع، بات من الضروري اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة لضبط الأسواق، ومواجهة المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، وتخفيف الأعباء عن المواطنين الذين أصبحوا يدفعون وحدهم ثمن موجة غلاء لا يبدو أن لها نهاية.
فهل تجد صرخات المواطنين من يسمعها؟ وهل تتحرك الجهات المعنية قبل أن يصبح الغلاء عبئاً لا يُطاق؟ هذا ما ينتظره المصريون، أملاً في غدٍ تكون فيه الحياة أكثر رحمة، والأسعار أكثر عدلاً، والمعيشة أكثر استقراراً.
يمكنني أيضاً أن أجعل المقالة أكثر حدةً وجرأةً بصيغة صحفية تشبه مقالات الرأي المنشورة في الصحف.



